رواية مريم


عباءة و ألبستها إياها بسرعة
لينطلق أدهم بها إلى المشفى لم ينتظر أمه و لم ينصت إليها بطلب الإسعاف سيكون هو أسرع من الإسعاف أخذها إلى مشفى خصوصي قريب دخلت على الفور حجرة الكشف و رافقها بصفته طبيب بدوره و من ثم علم بأنها تجهض 
لقد كانت حبلى 
هو الذي تسبب في ذلك هو الذي تسبب في مۏت طفله ضغط عليها و قسى بشدة 
هو الملام هو لا غيره 
كانت تبكي بحړقة و هي تساق إلى غرفة العمليات فوق السرير النقال بينما يتبعها و دموعها تتساقط لا إراديا أغلق باب العمليات أمامه و بقي بمكانه ينتظر خروجها لم يتحرك مطلقا حتى خرجت ليست كما دخلت
كانت مخدرة الآن مستنزفة شاحبة لا تدري بالدنيا من حولها 
قضت يومان بالمشفى و لم يفارقها خلالهما طرفة عين رغم إنها شبه فقدت النطق لم تأبه له و هو يكلمها و لم تستجيب لأي محاولة منه لإستمالتها
و عاد بها إلى البيت في اليوم الثالث و لا زالت على صمتها وحده صغيرها الأكبر في أخويه عبد الرحمن هو من جعلها تتكلم حين جاء و تسلق الفراش ليجلس بجوارها
كان والده يجلس على مقربة منهما و جدته تحاول مع أمه لتشرب كأس العصير
أتى هو و جلس على حضنها لافا ساقيه الصغيرين حول خصرها و مد يده الضئلية ليمسد على خدها متمتما بلغته الطفولية و طريقته التي توحي بأنه رجلا صغير
ټعيطي ليه
فعلا كانت الدموع تجري من عينها بين حين و آخر نظرت سلاف بعيني صغيرها و لا تعلم لماذا جلبت رؤيته المزيد من الدموع لعينيها و أخذت تبكي بهدوء بينما هو يمسح لها كل دموعها و هو يقول عاقدا حاجبيه
تعيطيش ماما 
تدخلت أمينة في هذه اللحظة لتحمله بعيدا عن أمه إلا إن سلاف تمسكت به مغمغمة بصوتها الباكي
خليه سبيه معايا 
أذعنت أمينة لرغبتها مسرورة بأنها و اخيرا فاهت بشيء و تبادلت هي و أدهم نظرات الفرح تركوا الصغير مع أمه تستمد منه بعض القوة حضنه الصغير هو الملاذ الآمن لها في محنتها و قد
وسع كل حزنها و كآبتها الشيء
الذي ما ليمنحه إياها زوجها مهما حاول 
سحبه من أفكاره صوت أمه إذ وجدها أمامه بغتة تنقر على كتفه ممسكة هاتفها
أدهم أختك جت لسا واصلة 
تطلع إليها متسائلا
أختي مين 
أختك إيمان رجعت من السفر هي و مراد
إمم حمدلله على سلامتهم و امتقع وجهه قليلا
لم يود أن تأتي أخته إلى البيت الآن لأن كل هذه المشاكل و الكوارث حدثت بسببها بسبب زفافها المترف و الملذات التي تنعمت بها كلها تخالف معتقداته و لا يستطيع أن يمنح زوجته مثلها سيكون أكبر منافق أمام ربه 
إن رؤية أخته ستضايق زوجته مجددا و الواقع إنه لا يريد أن يزعجها لتبقى أخته بعيدا 
عن زوجته لفترة حتى يرى كيف سيعوض لها خسارتها و الإساءة التي ألحقها بها 
أمي من فضلك قولي لإيمان ماتجيش دلوقتي تمتم أدهم عابسا بشدة
رفعت أمينة حاجبها قائلة
مش فاهمة يا أدهم 
تنهد أدهم بحرارة لكنه قال بتصميم غير مراوغ
أنا و سلاف قاعدين عندك عشان بتاخدي بالك منها و من الولاد لو إيمان جت سلاف مش هاتبقى على راحتها و أنا مش عايزها تضايق
أمينة باستنكار يا سلام و من إمتى سلاف بتضايق من إيمان 
أدهم بحزم إيمان مابقتش لوحدها و بعدين يا أمي أنا شايف فين راحة مراتي و ولادي إنتي أصريتي يقعدوا عندك اليومين دول و أنا مس هقدر أقولك ماتخليش بنتك تيجي بيتها أنا آسف ماكنش ينفع أقول كده فعلا بس ينفع أخد مراتي و ولادي و نقعد في شقتنا 
حدقت أمينة فيه و هي تقول مدهوشة
إيه يابني على مهلك حصل إيه لكل ده و متعصب كده ليه أنا مابقتش عارفة أحوالك انت و مراتك بقيت غريبة و انت مش راضي تفهمني 
تململ أدهم بمكانه بعصبية واضحة و تجنب النظر لأمه تماما فاستطردت أمينة بهدوء
خلاص هدي نفسك أختك مش جاية أصلا هي وصلت آه من شوية لكن راحة على بيتها مراد اتصل بيا بس و بيقول أحضر شنطة هدوم لمى عشان أختك عايزاها أنا كنت جاية أقولك كده 
استغرق لحظات ليستوعب الأخبار الجديدة و لم يستطع منع سروره و هو يعقب الآن بارتياح
أخيرا إيمان عايزة لمى ربنا يهديها عليها طيب يا أمي روحي روحي فرحي البنت و حضري لها شنطة هدومها بسرعة 
ابتسمت أمينة له ثم مضت لتفعل ما قاله لها
يسحب أدهم نفسا عميقا و يزفره على مهل ثم يتوجه إلى داخل الغرفة غرفة نومه القديمة بشقة أمه حيث ترقد زوجته فوق سريره في هدوء
ما إن رأته حتى أشاحت بعيدا عنه كالعادة فلم ييأس جاء و جلس على طرف الفراش عند قدميها كان يضع حول ربلة ساقها رباط ضاغط فقد تأثرت قليلا بالسقوط فوق الأرض و رضت المنطقة كلها
و إذ كانت ترتدي أحد قمصانها الخفيفة القصيرة كانت في نظره جذابة حتى و هي مريضة و متعبة دائما بهجة لنظره كعهدها منذ رآها أول مرة لا يستطيع مقاومتها فتنته 
مد أدهم يديه و أمسك بقدمها انتهبت لتصرفه فأدارت رأسها و نظرت نحوه فإذا به يضع قدمها في حجره ثم يبدأ بتدليك كاحلها بلمسات لطيفة و تقابلت نظراتيهما الآن فقال بصوت خفيض
إزي رجلك دلوقتي لسا بټوجعك
لم ترد عليه بقيت تنظر إليه فقط فابتسم لها و أردف
لازم تخفي بسرعة إن شاء الله أنا واخد إجازة من المستشفى و الجامعة شهر بحاله مش عايزين نقضيه في البيت لازم
تاكلي كويس عشان تخفي أسرع عشان تقدري تمشي معايا 
و أمام عينيها دنى برأسه صوب قدمها المصاپة و طبع قبلة حبست أنفاسها لوهلة إنه قد قبل قدمها حقا للتو 
لأول مرة يفعلها 
رفع أدهم رأسه و حدق بها الآن يرى الاحمرار يصطبغ على خديها ابتسم ثانية و قد أدرك بأن تأثيره عليها لا يزال قائما 
بدعي ربنا في كل ركعة ماشوفش فيكي أي سوء و يحفظك ليا حبيبتي 
و إن خفق قلبها لكلماته و إن ألح عليها شوقها إليه و لدفء أحضانه و لكنها أظهرت العكس و أشاحت بوجهها بعيدا عنه من جديد
فجرحها منه عميق هو الذي يعرفها أكثر من نفسها و يعرف منذ ارتبطا كيف يتعامل معها هذه المرة لم يراعي أي شيء و لم يتحملها و فوق كل هذا خسړت جنينها بسببه
بسببه هو و أخته 
استقبل مراد إبنة زوجته أمام البناية 
نزلت برفقة البواب الذي حمل عنها حقيبة ملابسها الصغيرة ما إن رآها مراد حتى فتح لها ذراعيه فاضطرت تحت وطأة الخجل و الخۏف من توبيخ أمها إن اشتكى منها أن تقبل عليه و تجعله يحتضنها و يحملها بل أنه أمطرها وابل من القبلات الرقيقة و هو يقول
لولي القمر وحشتيني يا حبيبتي وحشتيني أوووي 
و فتح للبواب صندوق السيارة ليضع حقيبة الفتاة ثم سحب محفظته و أكرمه ببخشيش سخي أشرق وجه الرجل الأشيب و شكره بحرارة ليومئ مراد بتواضع و يأخذ الصغيرة ليجلسها بالمقعد الأمامي إلى جانبه
تفاجأت عندما أدار المحرك بكيسا يدفعه إليها مليئ بمختلف أنواع الحلوى الفاخرة نظرت إليه من مستواها فابتسم بمرح
أيوة الكيس ده كله ليكي طبعا خبيته من مامتك عشان هي أعيل منك في الحاجات دي و بتحبها لو كانت شافته كانت هاتخلصه كله و أنا جايبه ليكي إنتي يا حبيبتي 
عبست لمى و هي تسأله بحدة طفولية
هي فين مامي
إيمان في البيت الجديد إللي نقلنا فيه يا لولي وصلتها و جيت عشان أخدك و نرجع لها سوا
صمتت للحظات ثم قالت و قد فشلت بإخفاء ڠضبها كليا
و هي ليه ماجتش عند تيتة أمينة ده بيتنا أصلا 
تلاشت ابتسامة مراد و هو يقول ناقلا ناظريه بينها و بين الطريق
ماينفعش ترجع عند تيتة يا لمى الوضع اتغير 
يا للحماقة 
كيف ستفهم الفتاة ما يقوله 
بالفعل برزت غمازة خدها و هي تعوج فمها مشيحة بوجهها عنه للجهة الأخرى صطف

مراد السيارة على جانب من الطريق ثم استدار نحوها قائلا بلطف
أنا و مامتك متجوزين دلوقتي يا لمى و هي مش هاينفع ترجع بيت تيتة أمينة تاني لازم تعيش معايا في بيتي و انتي كمان مكانك جمبنا يا حبيبتي 
استغرقت لحظات من الصمت ثم أدارت وجهها إليه من جديد و قالت و شرارات الڠضب تتقافز من عينيها الجميلتان
بس أنا مش عايزة أعيش في بيتك أنا مش بحبك 
كانت تلك حقيقة يعرفها مؤخرا فبدل أن يبدي ردة فعل سلبية تبسم لها و قال بنعومة
بس أنا بحبك اعمل إيه 
لم ترد الصغيرة بشيء آخر فعبس مراد قليلا و سألها مادا يده بحذر ليمسح على شعرها
طيب ممكن أعرف ليه مش بتحبيني يا لمى
مدفوعة بحقدها الأعمى ردت على الفور
عشان مامي بتحبك أكتر مني 
يهز مراد رأسه بالنفي قائلا
ماحصلش إيمان بتحبك انتي أكتر حد في الدنيا عشان كده أول ما وصلنا إنهاردة قالت لي روح هات لي لمى بسرعة 
رمقته بنظرت شك واضحة فاستطرد ماضيا في
كذبته لأجل خاطر الصغيرة
و كمان أنا سايبها بتجهز لك أوضتك الجديدة أنا و هي اختارنا لك كل اللعب إللي بتحبيها و أول ما نوصل هاتلاقيها محضرة لك السفرة و التشوكليت كيك إللي بتحبيها و يا حبيبتي أي حاجة تانية تشاوري عليها فورا هاتبقى عندك انا و مامي رهن اشارتك 
عبست ملامحها الآن و لم تعد مشاعرها واضحة فاعتبر ذلك مؤشر جيد ما دفعه أن يدنو مقبلا جبهتها بأبوة ثم يتراجع محدقا بسرور إلى محياها الجميل و يعقب بابتسامة حلوة
مامتك ماكدبتش لما قالت عليكي شبهي انتي من إنهاردة بنتي يا لمى 
انقلب مزاجها للأسوأ الآن و هي ترد عليه بعدائية سافرة
أنا مش بنتك أنا بنت سيف عزام 
بهت مراد من طريقتها أدرك بأن الدرب إليها سيكون وعر كثيرا لن ترق له بسهولة و هو لم يعد يحاول أكثر
تحرك بالسيارة مرة أخرى و لم يتكلم معها لبقية الطريق حتى وصلا إلى المجمع السكني الفخم و هدأمراد السرعة أمام فيلا معينة إنفتحت البوابة التي تعمل إلكترونيا بأمر منه فتوغل إلى الداخل و توقف وسط الباحة المظللة بأغصان الشجر و الورود و هناك خرير قريب لجدول مياه من الخزف و الرخام 
فتح للصغيرة بابها لتترجل ثم أتى بحقيبتها و أمسك بيدها ليرتقيا الدرج الصغير المفضي إلى مدخل البيت فتح مراد الباب بفتاحه الخاص و دعاها للدخول أمامه و بدأ ينادي ما إن