رواية مريم


فعلته أني أحببتك 
إيمان
كان عذابا خالصا ذلك الوقت الذي تلا إتمام عقد القران يذكر أنه لم يتحمل البقاء هناك عند إعلانهما زوج و زوجة ما إن تأهب المأذون بنطقها حتى حمل هو نفسه و انصرف مسرعا 
لقد خسرها مرة أخرى و إلى الأبد فقدها و هذا ما يستحقه و يقره من داخله أليس هو الذي تركها و أدار لها ظهره 
أليس هو الذي أذاقها المهانة حين تزوج من غيرها و عاد إلى هنا ليجد حلا و كان مستعدا لفعل المستحيل كي يرد طليقته إلى عصمته 
الأمر الذي جعله كالمچنون كيف كان بهذا الغباء 
ألهذه الدرجة كان أحمق 
حقا لو لم يحدث بينهما تقارب ما كان ليدرك كم أنه يعشقها بالفعل و أنه بحياته لم ينتمي لغيرها بهذه القوة العارمة 
هل ممكن أنه كان سيقضي عمره كله واهما بأنها لم تكن سوى نزوة كم كان عمره عندما علم بأنه يحبها 
تسعة عشر كم كان عمره 
عشرون 
هل هذا حب مراهقة 
لا بالطبع لا لأنه و ببساطة كان حاضرا ربما المرة السابقة ما كانت بمثل قوة تلك لأنها لم تكن أمام عينيه لكنها و اللعڼة تزوجت اليوم و في حضوره دون أن يكون قادرا على منع ذلك و عندما حاول قوبل بالرفض
أطلق مرادمزيدا من صيحات الڠضب و النقمة على نفسه غطى مؤخرة رأسه بكفيه و هو يسير جيئة و ذهابا عبر ردهة منزله الفسيحة مثل مفترس في قفص الإعتقال شعر إن عقله على وشك أن يصاب بشلل من شدة التفكير 
ماذا عليه أن يفعل إلى أين يذهب الآن يكره أن يعترف بهذه الحقيقة لكنه في تلك الساعة تحديدا بحاجة ماسة إلى صديقه الوحيد إنه يحتاج إليه بشدة يحتاج إلى عثمان البحيري لكنه لا يجسر على اللجوء له 
فعلا كاد أن ينهار و هو مستعد لذلك تماما لو لا أنقذه مؤقتا قرعا على جرس الباب 
استدار بحدة و مضى صوب باب المنزل لم يكن لديه أدنى فكرة من الذي يمكن أن يزوره الآن و لم يكن في وارد اي توقعات
مد يده و جذب مقبض الباب الضخم بقوة 
جمد أمام المدخل إنه ينظر أمامه كما لو أنه لا يصدق ما يراه هل ذكر منذ قليل بأن صديقه عثمان هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه مساعدته 
حسنا لقد كان حتما مخطئا 
فها هما والديه يقفان أمام عينيه و البسمة ملء وجهيهما يراقبان آثار المفاجأة عليه لم يكن بحاجة لمزيد من التحفيز فقد سقط درعه بالفعل خاصة فور رؤية أمه 
مراد تمتمت السيدة رباب بشيء من الريبة الآن
جفل مراد و تراجع عدة خطوات للخلف و هو ينظر بأعين والديه كمن يستجدي استغاثة رغم ذلك اجتاحه خجل من أن يراياه على تلك الحال فاستدار مسرعا و هو يمسك رأسه بكفيه بقوة بقى هكذا يعمل على شهيق و نفخ أنفاسه بثبات كما لو أنه يبذل كل ما في وسعه للتماسك أمام والديه لكنه يفشل
و فجأة يشعر بكف أمه يحط فوق كتفه انتفض لوهلة لكنه ثبت مكانه مع أن جسمه شرع يرتجف و يهتز بوضوح 
مراد كررت رباب بصوت أكثر قلقا
و ما لبث أن انضم
لهما زوجها متمتما باقتضاب متوجس 
إيه في إيه مالك يا مراد رد علينا يابني 
و فقد صبره رفع يديه و أدار ابنه من كتفيه ليواجههما لكنهما صعقا لرؤية وجهه من جديد وجهه الذي كان عبارة عن إحتقان خالص بالډماء و عيناه الرماديتين الجميلتين إنهما الآن شقوق حمراء مغطاة بطبقات من الدموع الدبقة 
حبيبي يابني هتفت رباب ملتاعة و هي تلف ذراعيها حوله
أخذت تمسد عليه مجعدة حاجبيها في وهن مثل وهنه تماما 
جرى لك إيه فيك إيه يا حبيبي رد عليا يا مراد ماتتجننيش 
امتلأت عيناه بالألم أكثر و هو يحرر مدامعه أخيرا تخلى عن كل مظهر من مظاهر قوته الرجل الناضج الصلب حتى و الأناني الذي بقى عليه لسنوات طويلة إنه ينهار الآن بين ذراعي أمه ألقى بجبهته فوق كتفها و بدأ جسمه في الاهتزاز مجددا 
إنه محطم إنه يبكي و لكن بلا صوت 
إرتعدت بقوة عندما أغلق عليهما باب واحد كانت توليه ظهرها و هي تفكر بمئات الإحتمالات اليوم مجرد عقد قران لماذا إذن طلب أن ينفرد بها بعض الوقت 
ماذا يريد منها 
الجدير بالذكر بأن المكان الذي تطأ قدميه الآن هو غرفة نومها في بيت والدها الراحل غرفة نومها التي لم يلج إليها رجل من غير محارمها سوى مراد حتى زوجها الراحل طوال سنوات الزواج لم يدخل إلى هنا أبدا هذا الأمر يسبب لها توتر كبير 
إيمان همس من ورائها بالقرب من أذنها تماما
تسبب هذا بقشعريرة مخيفة تسللت إليها أحس بها و لعله ظن إنها متأثرة بها كما هو حاله معها و لكنها كانت في قرارة نفسها تسخر من الأمر برمته
فهذا الفتى أو الشاب مالك الذي كانت في وقت ما تداعبه و تلاطفه و هو ولد صغير إنه الآن يحاول أن يغازلها 
أجفلت حين تنحنح قليلا قبل أن يقول بهدوء مرح 
بصي أنا طبعا كان نفسي أول مرة نكون مع بعض لوحدنا في مكان مميز لكن إنتي عارفة أدهم مشدد علينا إزاي و كان شرطه بعد كتب الكتاب مانخرجش من البيت لوحدنا لغاية معاد الفرح عشان كده طلبت على الأقل أقعد معاكي شوية في أوضتك 
و ضحك بخفة و أردف 
و لو إني كنت موجود لما اتجوز هو و سلاف و شوفتهم بعد كتب الكتاب خارجين لوحدهم بس عادي أنا مش هعارضه في أي حاجة لأني بحبه و بحترمه جدا 
وسعت زاويتي شفتاها مظهرة إبتسامة مجاملة ليستطرد و قد توقف عن الإبتسام للحظة و هو يمد يده تجاه رأسها تذبذبت عندما شعرت براحته الدافئة فوق حجابها الرقيق 
أنا مش عايز أكون متطلب أوي تمتم مالك محدقا بعينيها بثبات 
لكن في حاجات لسا مش قادر أتخطاها زي زي إني مش قادر أحل محل أخويا 
تفاجأت من كلماته لدرجة نست تلك اليد التي لا يزال يضعها فوق رأسها بينما يتابع مالك بتوتر متزايد 
أنا معجب بيكي آه يا إيمان لكن لسا شايفك مرات أخويا أنا عارف إنه خلاص إنتهى و إن المېت مش بيصحى و إن من حقنا نكمل عادي بس عشان أقدر أكمل يا إيمان و أحس إنك بقيتي ليا أنا لازم تسمحي لي 
تسارع وجيب قلبها لرؤية اللمعة بعينه تعرف جيدا إلى ماذا يلمح فنطقت محاولة صده بأقصى ما تستطيع من لباقة 
مالك إحنا في حكم المخطوبين و ماما و أدهم برا
علت ابتسامته و هز رأسه قائلا 
فهمتيني غلط أكيد مش هكون عايز حاجة زي دي 
تلميحه الأخير جعلها تشعر بالفزع حاولت إقناع نفسها بأنه لا يقصد معنى آخر مما قد يحدث بينهما بالمستقبل إنه يأخذ الأمور بجدية تماما 
ماذا كانت تتوقع 
يزدرد مالك ريقه بشيء من الإرتباك 
بس إنتي طول عمرك كنتي زي مايا بالنسبة لي مع ذلك كنتي محجوبة عني يعني مثلا عمري ما شفتك منغير الطرحة ف 
و صمت ممسكا بمشبك الحجاب بين سبابته و إبهامه طلب أذنها أولا 
تسمحيلي أشيله 
مدفوعة بإنعدام الثقة بنفسها و الشعور بأنها قليلة و مدانة وجدت نفسها تومئ له بالسماح فلم يضيع الفرصة و قبل أن تفكر مرة أخرى شد المشبك فأخذ الحجاب يتفكك من تلقائه حتى إنزلق عن رأسها إلى الأرض و لم يتبق سوى البطانة تلك كان أمرها سهلا سحبها للخلف رويدا رويدا كاشفا عن خصيلات شعرها البنية الناعمة
لحظات و كان رأسها مكشوفا أمامه و إذ شعرت من نظراته التي تتفرسها لم تلحظ شيء آخر
جحظت عيناها من الصدمة 
ماذا فعل بها إنه حتما وغد كيف لم يفكر 
مهما طال الوقت لم يدخل حياتها رجل بعد أخيه بالتأكيد لن تتقبل الأمر بهذه السرعة و معه هو بالأخص 
أنا آسف تمتم مالك معتذرا دون أن يتحرك من مكانه
لكنها لا ترد ثم يجلس على طرف الفراش بجوارها يمسك بها و يجلسها بسهولة بهذا الخضوع و البؤس فيكره نفسه كثيرا
إيمان أنا آسف كرر مالك هذه المرة بصدق أكبر
دار ليجثو فوق ركبته أمامها أمسك بيدها و توسلها قائلا 
ردي عليا أرجوكي 

أنا ماكنش قصدي أوصلك لكده و الله أنا آسف جدا بس مافكرتش إنك لسا مش جاهزة للخطوة دي أنا ماكنتش ناوي أعمل كده أصلا أنا عرفت بنات كتير بس ماحصلش إني ارتبطت بواحدة مرت بظروفك سامحيني ماعرفتش أتعامل معاكي إيمان بالله إتكلمي قولي أي حاجة 
حصل خير نطقت لاهثة و كأنها طفت الآن على سطح بحر هائج الأمواج
زفر مرتاحا و هو يترك إحدى يديها ليمسح على جانب وجهها 
صدقيني إنتي عندي غالية جدا مكانتك خاصة بكرة لما نعيش سوا هاثبت لك ده هاعمل كل إللي في وسعي عشان أسعدك يا إيمان إنتي ماتستاهليش غير السعادة و أنا هاديها لك أوعدك 
أومأت له دون أن تنظر إليه كانت لا تزال تشعر بدوي قلبها المرعب كانت تخشى لو توقف من شدته و سرعته إنه عادة لا يخفق بهذا الجنون سوى لمراد و كانت تلك أسعد لحظاتها فيما مضى و لكنها الآن تشعر بفخاخ المۏت قريبة منها في كل خطوة تخطوها 
مالك كان هذا صوت مايا
تناهى إليهما من خلف باب الغرفة فصاح مالك من مكانه 
إيه يا مايا 
ماما إتصلت بتستعجلنا يلا بقى انت عارف إنها لوحدها 
ماشي جاي 
إسبقيني إنتي
ما
تتأخرش 
و ابتعدت خطواتها عن الغرفة 
عاود مالك النظر إلى إيمان أرملة أخيه و المرأة التي هي زوجته رسميا الآن 
ابتسم لها و قرب يدها وضع قبلة داخل كفها دون أن يفقد إتصالهما البصري ثم قال واعدا برقة 
هاتحبيني يا إيمان و هاتخلفي ولادي كلهم افتكري كلامي كويس 
لم يتسبب هذا الوعد لها إلا بالكرب و القهر الشديد 
قبل ثماني عشر عام 
إنه آخر يوم له في الرابعة عشر و قد عقد والديه النية أن يهبطا به إلى مصر عند نهاية الفصل الدراسي فقد أرادا له أن يقضي بقية سنوات صباه إلى مراهقته في البيئة التي ينتمي إليها مسقط رأسه بين أهله و مجتمعه الشرقي 
إذ في اعتقادهم أن وجوده هنا يشكل خطړا على أخلاقه والتمسك بنواهي و أوامر عقيدته و رغم أن قرارهما لم يلقى ترحيبا منه إلا أنهما أصرا من أجل حمايته من الفتن المحيطة به لكنه دائما ما يسبقهما بخطوة 
ما زال أمامه شهران حتى يسافر معهما و الليلة