رواية مريم


لأدهم مخصوص عشان كده أنا عملت غلطة كبيرة أوي لما طلقتها بس لسا عندي أمل و أيوة عاوز أرجعها أنا بحبها 
احتقن وجهها بالډماء في هذه اللحظة سيطرت على أعصابها بجهد و قد جمدت أصابعها حول دورق الشاي الخزفي استرعى ذلك إنتباه مراد لكنه آثر الصمت
و فجأة وضعت أمينة كل شيء من يدها ثم أسندت ذقنها إلى يديها و هي تصوب نحوه نظراتها الآن 
لما انت بتحبها أوي كده إيه إللي جابك لحد هنا تاني كان ممكن تطلب أدهم يجي لك ليه تيجي لحد هنا و تخلي إيمان تعيش خيبة الأمل تاني 
حدق فيها مصعوقا و قال بصعوبة 
إنتي إنتي عارفة يا خالتو 
أمينة بحدة طبعا عارفة عارفة كل حاجة من زمان يا مراد 
تضاعفت صډمته و شخصت عيناه على الأخير إنتابه الخرس تماما بينما تعاود الحديث قائلة 
من أول يوم و بنتي عمرها ما دارت عني حاجة قالت لي إنها بتحبك من أول يوم يا مراد و إنك انت كمان بتحبها حسب قوالتك ليها و تعرف سيبتكوا ليه على كده لأن ثقتي في بنتي مالهاش حدود و متأكدة دايما إنها لا يمكن تعمل حاجة غلط أبدا بس تعرف بردو أنا طلعت غلطانة لأن إللي حصل بينكوا زمان ده كان لعب عيال و كان لازم أفهم إنه مش هايوصل لأي حاجة غير حسرة و ۏجع قلب بنتي و انت فوق إللي عملته راجع تكمل عليها و أنا إللي فكرت إنك عقلت و رجعت عشانها 
استغرقه الأمر كله بعض الوقت ليدرك مقاصد خالته بوضوح و قد تبين له بأنها لم تكن تعني بأنها تعلم ما جرى بينهما لا زال السر محفوظا و لا أحد يعلمه سوى هو و إيمان و زوجها الراحل العلاقة الحمېمة التي أقاماها في لحظة طيش لا زالت طي الكتمان 
يا خالتو أنا عمري ما خدعت إيمان غمغم مراد و الخجل يتآكله
لم يستطع النظر بعيني خالته الآن و هو يكمل 
زي ما قلت لك كنا صغيرين و أنا حبيتها بجد و الله و لسا بحبها لكن طريقنا اختلف من زمان أنا و إيمان ماينفعش نمشي سكة واحدة و ده في الأصل سبب إنفصالنا إحنا طول عمرنا مختلفين 
ظلت أمينة ساكنة لبرهة تتمعن
كلماته ثم أومأت متقبلة قراره الأخير و نتيجة محاولتها معه لأجل ابنتها و قالت بهدوء 
ماشي يا مراد إللي تشوفه طبعا و مقدرش أقول غير ربنا يوفقك في حياتك مع أي واحدة تختارها انا بردو أبقى خالتك في مقام أمك يا حبيبي 
ثم قامت فجأة هاتفة 
أقعد انت كمل فطارك أنا هاروح أشوف على ولاد أدهم
و لكنه استبقاها مسرعا 
لحظة واحدة يا خالتو من فضلك 
قام بدوره عن المائدة و أتى ليقف أمامها عبس مطرقا برأسه و هو يقول بصوت أجش 
أنا كده كده مش مطول هنا و ماشي إنهاردة بعد القاعدة إللي اقترحها أدهم كلمي إيمان و قوليلها ترجع البيت أنا عارف إنها مشيت بسببي عن إذنك 
و لم ينتظر ردها ولى هاربا بسرعة  
بضاحية ما بمدينة القاهرة 
يصل عثمان البحيري إلى العنوان الذي بعثه إليه صديقه برسالة مقتضبة يجد صالح ينتظره أسفل البناية المتواضعة
ما إن رآه يترجل من سيارته حتى مضى صوبه مسرعا و هو يهتف 
أخيرا وصلت أنا واقف ملطوع هنا بقالي ساعتين و شوفت الزفت مراد و هو طالع كنت هارتكب چريمة لولا مسكت نفسي
يغلق عثمان سيارته وهو يرد عليه ببروده المعهود 
ياريت بقى تمسك أعصابك أكتر عشان لسا التقبل جاي أنا ماكنتش عايزك في القاعدة دي أصلا ف ماتخلنيش أندم و مشى نحو بوابة البناية
تبعه صالح مغمغما بغيظ 
إنت شايفني عيل صغير ماشي هاسيبك إنت تتكلم و أما نشوف أخرتها 
عثمان بضجر شاطر ورايا بقى من سكات 
دقيقتان و كانا قد وصلا إلى الطابق الأخير حيث صارا أمام غرفة مشيدة بالطوب و الحجارة يكسوها طلاء مريح للبصر و يتوسطها باب خشبي مصقول غامق لونه
كان الباب مفتوحا عن آخره لكن عثمان لم يرى شيئا خلفه مجرد ضوء أصفر مشع بالداخل فسار للأمام يجاوره صالح حتى صارا عند الباب تماما 
دق عثمان عليه و هو يمد رأسه مستطلعا 
سلام عليكوا صاح عثمان بصوته القوي
آتاه صوت رجولي أجش على الفور 
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته اتفضلوا 
مد عثمان ساقه و ولج و هو يحث صالح على إتباعه رفع نظراته مستكشفا ليرى صديقه و رجلا آخر وجهه غريب عليه لا يعرفه إطلاقا لكنه بدا سمحا و إمارات الورع تتجلى على ملامحه العذبة الهادئة كانا يجلسان أمامه فوق آريكة صغيرة بنهاية الغرفة الأشبه بغرفة مكتب أنيق و قديم الطراز فتوقف عثمان عند نقطة معينة و أشار لصالح ليقف هو الآخر
تطلع عثمان إلى صديقه الجالس هناك على بعد خطوات منه عابس الوجه متوترا و تساءل بجمود و هو يشير لذلك الشخص الغريب الذي يجلس إلى جواره 
مراد باشا ممكن أعرف مين الأستاذ 
و هنا يرد الرجل ذو الوقار و الرصانة المٹيرة للإعجاب نيابة عن مراد المتأهب للإڼفجار كبركان بأي لحظة 
أنا الشيخ أدهم عمران إتفضل يا أخي لو سمحت كنا في إنتظارك 
في هذه اللحظة تبادل كلا من عثمان و صالح النظرات و قالا في صوت واحد 
شيخ 
جحظت عيني إيمان و هي تستمع إلى كلمات أمها كابحة إنفعالها لكي لا يسمعها أحد في الخارج 
إزااااااي تعملي كده يا ماما مين قالك تقولي كده لمراد 
يعني كنتي عاوزاني أعمل إيه وأنا شايفاكي مقهورة و بالذات لما جه قلت أحاول مرة أخيرة يابنتي على الأقل عشان ربنا مايحاسبنيش عليكي
إنتي عارفة عملتي إيه إنتي رميتي إللي باقي من كرامتي في الأرض حرام عليكي يا ماما
ماتكبريش الموضوع يا إيمان بقى ماحصلش حاجة كانوا كلمتين و راحوا لحالهم خلاص بصي المهم دلوقتي تاخدي بعضك انتي و بنتك و ترجعوا دلوقتي حالا لسا أخوكي أدهم واخده و راحوا المضافة بتاعة أبوكي أخوكي سأل عليكي و قلت له بتزوري عمتك مش هاينفع يرجع مايلاقكيش هنا 
دق باب غرفتها المخصصة فاضطرت لقطع المكالمة و استدارت و الدموع ملء عينيها الواسعتين 
فإذا بها تجد مايا أمامها مايا شقيقة سيف و عمة صغيرتها لمى 
إيمان هتفت مايا بعفوية
يلا الغدا جاهز
أومأت لها إيمان و قالت بصوت أبح 
حاضر يا مايا جاية وراكي
قطبت الأخيرة حاجبيها و هي تشير ناحيتها بذقنها 
إنتي معيطة و
لا إيه يا إيمان 
لم تنكر إيمان لكنها اختلقت كڈبة و هي تكفكف دموعها بظاهر يدها 
أيوة شوية أصلي افتكرت سيف الله يرحمه وحشني أوي يا مايا 
تأثرت مايا كثيرا و دلفت إليها بدون مقدمات عانقتها و شاطرتها حزنها المفتعل متمتمة بحزن شديد 
إنتي عارفة كل ما بيوحشني بعمل إيه ببص في عيون لمى و بحضنها جامد لمى حتة من سيف يا إيمان لمى هي سيف مش بيقولوا إللي خلف مامتش 
تنهدت إيمان بحرارة و ابتعدت عنها مايا ابتسمت لها و دعتها ثانية 
يلا عشان الغدا كلنا ماستنيينك 
بادلتها إيمان الابتسامة و قالت 
حاضر بس أنا مضطرة أمشي بعد الغدا علطول لازم أرجع البيت
مايا باحباط ليه كده بس يا إيمان هو لحقنا نشبع منكوا 
إيمان متأسفة معلش يا مايا ماما تعبت و سلاف كلمتني من وراها لازم أكون جمبها 
جلس كلا من عثمان و صالح إلى مقعدين متجاورين بينما يجلس مقابلهما ذلك الرجل المهيب ذو اللحية السوداء الكثة المشذبة بعناية و مراد الذي ما زال صامتا حتى الآن و لم ينطق بحرف 
هذا السكون الثقيل قد بدأ يوتر الأجواء حتى أن بعض تململ أصاب صالح و شعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من فقدان سيطرته على نفسه إلا أن صوت المدعو أدهم سرعان ما برز قالبا موازين الجلسة إلى صالحه فقط 
منورين مكاني المتواضع يا سادة قالها أدهم بصوته القوي مزيدا الترحيب بضيوفه
رد عثمان التحية بنفسه و نيابة عن إبن عمه الغضوب 
بنورك يا دكتور أدهم متشكرين أوي على حسن إستقبالك لينا و خاصة إننا أغراب عنك
أدهم معاتبا بحليمية 
عيب تقول كده يا أستاذ عثمان مراد ده يبقى إبن خالتي حتى لو مش بنشوفه إلا كل كام سنة مرة و ضحك مكملا 
و حضرتك تبقى صاحبه و صديق عمره زي ما حكالي يعني تقريبا بقيت مننا و علينا زي ما بيقولوا
صحح كلامك يا أدهم من فضلك صاح مراد بحدة فجأة
تركزت الأنظار عليه ليتابع بنفس الإسلوب 
الصداقة دي كانت في الماضي و خلاص خلصت أنا صحابي رجالة مش ژبالة و أنجاس زيه 
يتمالك عثمان أعصابه بصعوبة عندما سمع هذا الكلام يخرج من فم صديقه المقرب لأول مرة بينما يلتفت أدهم نحو مراد موبخا 
مراد إحنا قولنا إيه القاعدة دي إتعملت عشان نحل الموضوع مش نعقده و نجرح في الناس كده منغير ما نفهم كل حاجة كويس
مراد بسخرية إنت فاكر إن ده بيتجرح ده أبرد من لوح التلج ده يجيبلك شلل و إنت قاعد صلى عالنبي يا أدهم إنت ماتعرفوش أدي
أدهم بهدوء عليه الصلاة و
السلام يا سيدي طبيعي ماعرفوش و إنت تعرفه أكتر مني عشان صاحبك بس لازم نتكلم و نتناقش بالمعروف دي مش طريقة يا مراد إهدا عشان تفهم
يقطب مراد جبينه بشدة مغمغما 
أنا مش طايقه مش طايق أي حاجة تيجي من ناحيته و مش عارف يا أدهم إنت صممت على القاعدة دي ليه ده واحد قذر عايش طول عمره في نجاسة و قرف و ماستبعدش أبدا إنه يكون غوى بنت عمه و إنهم إستغفلوني هما الإتنين
في هذه اللحظة لم يستطع صالح كبح نفسه أكثر فقفز واقفا لينقض على مراد بلمح البصر فيكيل له الضړب و اللكمات العڼيفة 
يهب على الفور كلا من عثمان و أدهم للحؤول بينهما و رغم أن ذلك كان صعبا بادئ الأمر خاصة و أن مراد إستطاع أن يتغلب على صالح في لحظة و كاد ينال منه ألا أن عثمان حال دون ذلك و أمسك بتلابيب

إبن عمه و إجتذبه پعنف صائحا 
تعالى هنا إنت إتجننت إثبت إرجع مكانك و إوعى تتحرك سامعني يا إما تنزل تستناني تحت 
يتراجع صالح مذعنا لأمر عثمان لكن ما زال غضبه يتفاقم فيدس يده يجيب سترته و يخرج قارورة الكحول الفضية التي يحملها دائما و بدون مقدمات يفتحها و يفرغ منها بقوة داخل جوفه 
بنفس اللحظة أدهم يترك مراد بعد أن ضمن سيطرته على نفسه يلتفت فيرى صالح يتجرع هذا الشيء فتجحظ عيناه و هو يصيح بلهجة