رواية مريم


ماضي مش عايزك تخلي الماضي ده يأثر على حياتنا و مستقبلنا مع بعض عايزك تبقي قوية انتي فيكي كل الصفات إللي أي راجل يتمناها في حبيبته انتي إيمان حبيبتي أنا بس ناقصك تبقي قوية مافيش حاجة تهزك بس 
قالت و نبرتها النائحة تجعل الأمر و كأنه منشودا بشدة 
أنا بحاول و الله بحاول انت مش حاسس إني بتحسن أنا عايزة أبقى كويسة يا مراد عايزة أرجع طبيعية بس إللي أنا عيشته مكانش في يوم و ليلة دي سنين طويلة 
تنهد مطولا ثم قال هامسا قرب أذنها مغيرا مجرى الحديث 
طيب تعالي تعالي نرجع أوضتنا أوردر الغدا على وصول و لا تحبي نخرج نتغدا برا 
سلمت أمرها إليه كليا قائلة 
إللي تشوفه 

عادا إلى الجناح الخاص بهما الشرفة بطوله كله مفتوحة الآن تطل على أروع المناظر الخضرة و البحر و السماء 
طوال طريق العودة إنشغل باله بحديثها و كان غير مرتاحا ما دفعها لسؤاله ما إن استقرا بالداخل 
مالك يا مراد 
لم ېكذب عليها قال ما يحدث معه حرفيا و هو يركز نظراته على وجهها 
بفكر في كلامك مش عارف أبطل تفكير 
رفرفت بأجفانها و هي تمد كفها لتضعه على جانب وجهه و تقول 
ماتشغلش بالك يا حبيبي أنا بحكي لك عشان أفضفض معاك مش عشان أضايقك 
ضايقيني صاح فجأة
فأجفلت و رفعت يدها عنه فجأة 
توجست منه قليلا بينما يقترب هو منها الحنق يطغى على نبراته و هو يخبرها 
أنا السبب في كل إللي حصل لك و مش قادر أسامح نفسي أنا كمان دمرتك زيهم و احتمال تكوني لسا تعبانة و مش متوازنة أنا مش هاسمع كلامك أكتر من كده و أول ما نرجع مصر هاعرضك على دكتورة نفسية و مش قصدي إنك مچنونة زي ما بتقوليلي كل مرة انتي محتاجة مساعدة فاهمة لازم تتعافي 
ضمت شفتيها بشدة الآن مخافة أن ټنفجر بالبكاء بأي لحظة بينما يهدأ مراد قليلا و هو يدنو صوبها أكثر صوته الهامس الخشن وقع على أذنها و هو يمسك وجهها بشدة 
أنا عايزك تنقلي كل ده ليا أنا عايز أخد وجعك ده
كله أنا عايزه يا إيمان 
نظرت إليه و الدموع ټحرق عينيها كانت ترتجف الآن بين ذراعيه و قد استهلكها الحزن و الذكريات الأليمة بالكاد خرج صوتها من تحت وطأة الغصة التي تسد حلقها 
ياريت ياريت أقدر أخلص منه بالسهولة دي ياريتك تقدر تشيله عني ياريت أنا مابقتش قادرة عليه مابقتش قادرة خلاص يا مراد

و جرت دموعها من جديد و علا نحيبها الهادئ حاول أن يريحها بشتى الطرق لكنها لا تستجيب و تضع يديها بينهما لتبقيه بعيدا 
اهتدى إلى فكرته بغتة و هو ينفصل عنها محدقا بعينيها الحمراوين المبللتين 
أنا هساعدك يا حبيبتي أنا هساعدك 
رأى اليأس في نظراتها لكنه أمسك بيدها و قادها نحو المنضدة المستطيلة و بلا كلمة فرمقته بارتباك قائلة 
انت بتعمل إيه 
لم يرد حتى فك حزام خصره الفاخر سحبه أمام عينيها و أمسك بيدها يضعه بها مقررا 
طلعيه كله ماتخليش حاجة جواكي سمعاني 
لم تفهم ما قصده بالضبط فابتسم بالكاد بينما تسيل دمعة على طول خده أسفا و ندما عليها ثم استدار حتى واجهت ظهره إنحنى للأمام حتى لامس صدره خشب المنضدة أراح جانب وجهه فوقها و هتف على إستعداد 
ماتتردديش أنا قدامك أهو خدي حقك مني خدي حقك مننا كلنا يا إيمان 
الآن فهمت جيدا ما عناه فافلتت منها شهقة و هي تبكي بصوت و تشد على طوق خصره بعصبية 
لأ يا مراد م آ ا 
قلت لك أعمليها قاطعها صائحا پغضب و قد تشنجت عضلات ظهره أمامها
واصل محفزا إياها بتغذية كل مشاعر الحقد و النقمة بداخلها 
افتكري إللي عملته فيكي افتكري إللي عمله فيكي سيف و إللي عمله مالك افتكري كل حاجة وحشة حصلت لك على إيد كل واحد فينا خدي حقك ردي لي وجعك إديهولي كله حرري نفسك يا إيم 
هي التي قاطعته هذه المرة 
و هي تنزل بأول ضړبة قوية و رنانة على جلده المتماسك كتم صيحة ألم بصعوبة لم يكن يتخيل أن تكون بهذه القوة 
كملي يا إيمان إوعي توقفي كمان 
لم تجعله يكررها مرتين و نزلت بضړبة ثانية و ثالثة و رابعة بينما كان يرتعد مع كل واحدة و يتأوه بصوت مكتوم و أحيانا صريح
لكنه تماسك حتى النهاية حتى أتمت عشرون ضړبة و أفرغت عليه كل مشاعرها السلبية كل ملامح الظلام بداخلها تبددت مع سماع آهاته و رؤية جلده اللامع الجميل و هو يتجرح أمام عينيها و يسيل دما 
كفت عنه أخيرا و الراحة تغمرها للحظات قبل أن يداهمها الإنهيار مجددا و ترمي أداة الټعذيب من يدها مجهشة بنوبة جديدة من البكاء لكنه بكاء من نوع آخر لم يكن سببه الألم و لا تجد له سببا محدد
لكنها الآن لم تعد نفس المرأة التي كانت عليها منذ بضعة دقائق هذا مؤكد 
بس قالها مراد مخطۏف الأنفاس
و هو يعتدل و يواجهها ثانية ضم رأسها إلى صدره متمتما بتعب شديد فوق شعرها 
إهدي يا حبيبتي هاتبقي كويسة كل حاجة هاتبقى أحسن أوعدك 
يعلم أنه بالغ في معاقبتها و هجرها يدرك تماما أن قسوته شديدة لأول مرة عليها كم يوم و هو ينأى بنفسه عنها 
لقد مر اسبوعا بالفعل كل يوم يراها تذبل أكثر عن
اليوم الذي يسبقه تمارس يومها بآلية بين تلبية احتياجات أطفالها و واجبها تجاهه الذي حصره بتناول وجبة الغداء فقط معها و مع أطفاله أما وجبة العشاء فكان يتناولها برفقة أمه 
كلما كانت تحاول الاقتراب منه كان يبتعد فورا معرضا عنها كان يسمعها تبكي من وراء باب الغرفة كل ليلة و لكنه وضع على قلبه حجرا ثقيلا ليمضي في هذا التأديب العسير الذي يلزمها رغم أنه كان على وشك أن يضعف أمامها مرات كثيرة في كل مرة كان يذكر نفسه بما قالته له من كلمات تجريحية تقلل من قيمته يعرف بأنه سوف يصالحها و لكن ليس بهذه السرعة 
لولا ما حصل اليوم بلغ منها الضعف بسبب قلة الغذاء مبلغا حتى أنها كاد أن يغشى عليها راقب هو ذلك بقلب واجف أثناء مروره من أمام المطبخ ظل واقفا هناك يخشى عليها من السقوط أو أن تؤذى بأي شكل
لم يكف عن المراقبة إلا عندما تركت كل شيء و ذهبت إلى غرفة النوم لتنال قسطا من الراحة بقي في تأهب بالصالة عينه على الرواق يبنتظر يقظتها حتى قامت بالفعل ملبية نداء أحد الصغار فأمسك أدهم بهاتفه و أرسل في طلب أمه بشكل عاجل
دقائق و كان الجرس يدق قام ليفتح و همس لأمه 
أمي شوفيها بس منغير ما تقولي إني ناديتك و بالله عليكي خليكي وراها لحد ما تاكل أنا ماشوفتهاش كلت أي حاجة إنهاردة 
طمأنته أمينة محاكية نبرته الخاڤتة 
ماتقلقش يا حبيبي أنا هاتصرف معاها بس بعدين لينا قاعدة أنا و انت و تفهمني إيه إللي حصل بينكوا بالظبط ماشي 
أومأ له مستعجلا 
حاضر يا أمي حاضر ادخلي بس الأول و شوفيها 
ولجت أمينة مسرعة تحت إلحاحه و هتفت منادية على ابنة أخيها بلهجة طبيعية حضرت سلاف في غضون لحظات امتثلت أمامها بهزل شاحبة الوجه الهالات السوداء تحيط بعينيها كان حالها يرثى له 
إزيك يا عمتو دمدمت سلاف بلهجة ضبابية 
عبست أمينة بقلق و هي تقترب منها قائلة 
إيه ده يا سلاف شكلك عامل كده ليه يابنتي انتي ضعفانة كده ليه 
في هذه اللحظة لمحت سلاف زوجها و هو يمر متجها نحو الشرفة و يحمل في يده نفس الكتاب الذي يقرأ به منذ عدة أيام 
ابتسمت سلاف بسخرية و قالت 
أنا كويسة يا عمتو كويسة أوي 
أبت أمينة ادعائها 
لأ مانتيش كويسة يا سلاف بصي لنفسك في المرايا قوليلي يابنتي مالك أنا كل ما أسأل أدهم عليكي يقولي فوق مش بتنزلي و لا بتكلميني انتي تعبانة و لا في حد مزعلك 
ساد الصمت بينهما للحظات تحدق سلاف بعيني عمتها فقط إلى أن برزت الدموع بعينيها بغتة و قالت بصوت يمزقه النشيج 
أنا ھموت يا عمتو 
جحظت عينا أمينة على الفور و نطقت بهلع 
إيه بتقولي إيه هاتموتي إزاي فيكي إيه

يا سلاف اتكلمي 

عندما نطقت جملتها قفز قلبه من موضعه هو نفسه وثب من مكانه و وضع قدما على مقدمة الشرفة تأهبا للخروج إليها لكنه جمد مستمعا إلى صوتها و هي تقول باللحظة التالية 
بقالي يومين بشوف بابا في الحلم بيجي يمسك إيدي و ياخدني معاه إنهاردة جه هو و ماما و خدوني 
أجفل أدهم مستوعبا ما تقوله و لكنه هدأ نسبيا حين كشفت بأن الأمر يتعلق بالأحلام أخذ نفسا عميقا و واصل الاستماع لهما 
أمينة يابنتي فجعتيني حرام عليكي يا سلاف ده
حلم يا حبيبتي مجرد حلم حلم يعمل فيكي كل ده ماتهوميش نفسك انتي كويسة 
سلاف لأ أنا مش كويسة أنا حاسة بنفسي و حاسة إن مابقاش ليا لازمة في حياة أي حد أصلا 
أمينة ليه ليه يا حبيبتي بتقولي كده ربنا يخلي ولادك و جوزك و ربنا يخليكي ليا محدش فينا يقدر يستغنى عنك 
بدأت تبكي بصوت الآن و هي ترد على أمه 
أنا تعبت خلاص يا عمتو تعبت و مابقتش قادرة أستحمل إللي أنا فيه مخڼوقة 
لم يرفع الحجر الذي وضعه على قلبه حتى و هو يسمع صوت بكائها الذي يملأ أذنيه و هي تخاطب أمه بهذه الحړقة رغم إنه لا يثق إن كان سيصمد طويلا 
لم يحركه سوى نداء أمه الصارخ فوثب بغتة مهرولا من الشرفة إلى مدخل الشقة كانت أمينة على أعتاب الباب تصرخ منادية ابنة أخيها و زوجة ابنها 
في إيه يا أمي صاح أدهم من خلف والدته
إلتفتت أمينة نحوه ما إن رأت أدهم حتى اسجارت به 
إلحق البت يا أدهم نزلت تجري بهدومها و مش شايفة قصادها إلحقها قبل ما تخرج من البيت و يجرى لها حاجة 
كانت تملي عليه آخر كلماتها و هو بالفعل قد تركها و انطلق في إثر زوجته بعد أن تأكد بأنها لم تتخذ المصعد لحق بها قبل أن تبلغ الطابق الأرضي عند شقة أمه مباشرة امتدت يده بسرعة و قبض على ذراعها مجتذبا إياها پعنف 
تعالي هنا راحة فين 
قاومت سلاف يديه و هي تصرخ فيه بضراوة 
اووعى مالكش دعوة بيا سيبني ماتلمسنيش 
كز أدهم على أسنانه مغمغما و هو يشدد قبضتيه عليها إلى حد مؤلم 
أسيبك تنزلي بالشكل ده انتي في واعيك 
مش هاتخطي