رواية مريم


أهة مطولة و هو يفرك وجهه بقوة بكفه 
كان يشعر بدوار و رأسه يؤلمه و كان قلبه يخفق بشدة في صدره كما لو أنه فرغ من المارثون للتو حتما هذا تأثير الكحول التي قضى ليله كله يعاقرها إنتزع نفسه من الفراش بصعوبة و قام على مهل كي لا يسقط مشى مترنحا صوب الحمام الملحق بالغرفة المترفة فتح صندوق الإسعافات بحثا عن أي مسكن للآلام و قد كان يبذل جهدا لإبقاء عينيه مفتوحتين رغم الصداع النصفي الذي كان يعذبه
للأسف و بالتأكيد كانت كل العقاقير هنا منتهية الصلاحية مم أحبطه و جعله أكثر ڠضبا و إنفعالا رمى بمحتويات الصندوق بعصبية ليتناثر كل شيء تحت قدميه
و الآن لم يكن أمامه سوى
حلا واحد قسر نفسه على النزول من غرفته مستندا إلى الجدار تارة و الدرابزين تارة و مع أصغر حركة يقوم بها يزداد شعوره بالغثيان كانت حالته مزرية بحق و لعله يفهم الأسباب غالبا ما تكون تلك النتيجة عندما يسوء مزاجه السوداوي ينعكس عليه فسيولوجيا بهذا الشكل المثير للشفقة
و أخيرا وصل إلى المطبخ أسرع بتحضير فنجانا من القهوة مستخدما الأغراض التي اشتراها بالأمس و ظل بجوار الموقد حتى نضج البن صبه بكأس صغير و لم ينتظر حتى تبرد تجرعها على مرتين متحملا سخونتها
ابتلع ورائها كوب من الماء البارد ثم أخيرا بدأ يشعر بنفسه و يسترخي الصداع في تلاشي و مزاجه يتحسن شيئا فشيء 
عاد إلى الطابق العلوي و دلف إلى غرفة النوم تزامنا مع المكالمة التي دقت هاتفه سار نحو كومة ملابسه بجوار السرير و أستل الهاتف من جيب معطفه ثم رد فورا لما رأى اسم أدهم 
آلو صباح الخير يا أدهم 
جاء رد أدهم هازئا 
صباح إيه يا مراد باشا إحنا بقينا الضهر 
غمغم مراد و هو يحك ذقنه بطرف أنامله 
ما أنا نمت متأخر شوية عشان كده ظبط ال متأخر شوية بردو
إمم طيب أنا استنيت إمبارح تكلمني زي ما خالتك قالت لي بس ماحصلش أنا لحد دلوقتي مش فاهم إيه إللي حصل خلاك تسيب البيت و تمشي
مافيش حاجة حصلت طبعا
أومال إيه مشيت ليه طيب قبل ما تقول لي على الأقل حد زعلك يابني 
نفى مراد في الحال 
لأ يا أدهم مافيش الكلام ده بص أنا هافهمك بس لازم أشوفك
انت فين 
أنا في بيتنا إللي في الزمالك لو فاضي دلوقتي عدي عليا نروح نقعد في أي حتة و نتكلم أنا عاوزك في موضوع
خلاص ساعة بالكتير و هكون عندك 
دق جرس المنزل و كانت الصغيرة لمى أول من استجابت 
طارت من المطبخ حيث كانت تقف مراقبة جدتها و هي تطهو أطايب الأطعمة تجاهلت نداءات أمينة و فتحت الباب لتصرخ بمرح ما إن رأت عمها و عمتها أمامها يحملان الهدايا و علب من الدمى و الألعاب من أجلها 
مايااااااااا و ماااااالك جم يا تيتة جم جم 
ضحك الأخوين و إنحنى مالك ليحملها على ذراعه الحر هاتفا 
لوووولي القمر وحشتيني يا قلبي عاملة إيه 
عانقته لمى بسعادة قائلة 
الحمدلله انت كمان وحشتني أوي أووووي
يا عفريتة انتي لسا كنتي معايا من يومين
بردو وحشتني زي ما وحشتك مش أنا وحشتك 
ابتسم مقبلا خدها المكتنز بعمق في جيئة أمينة في هذه اللحظة رحبت بهما مهللة بتكلف 
يا أهلا أهلا خطوة عزيزة يا حبايبي وحشتوني يا ولاد إزيك يا مالك يا حبيبي 
صافحها مالك بمودة قائلا 
بخير و الله يا طنط أمينة انتي إللي وحشتيني أكتر عاملة إيه 
الحمدلله يابني كله فضل و نعمة ثم توجهت نحو مايا و عانقتها و قبلتها على خديها متمتمة 
مايا حبيبة قلبي إيه يا بت الحلاوة دي الله أكبر عليكي
مايا بابتسامة عذبة 
طنط أمينة حبيبتي دي حلاوة عينيكي انتي و الله
أمينة بغمزة شكل خطيبك واخد باله منك موردك كده و زايدك جمال ياريته كان جه من زمان 
ضحكت مايا بخجل 
كسفتيني يا طنط أمينة 
لأ و انتي وشف كسوف يابت قالها مالك ساخرا
فوكزته مايا بكوعها رامقة إياه بنظرة غاضبة
ضحكت أمينة و دعتهما للداخل 
طيب كفاية كلام على الباب و تعالوا نتناقر زي زمان جوا ادخلوا يلا و انتي يا لمى روحي قولي لماما مالك و مايا وصلوا
أطاعتها لمى متململة على ذراع عمها 
حاضر يا تيتة 
أنزلها مالك برفق و داعب رأسها قبل أن تنطلق جريا نحو الداخل قاصدة غرفة أمها
رغما عنه تعقب إثرها متلهفا لرؤية طيف إيمان بأي مكان لكنه لم يجد شيء و أخيرا وجد نفسه منقادا إلى الصالون إمتثالا لكلمة زوجة خاله الراحل 
في مقهى شهير بإحدى ضواحي الزمالك 
جلس كلا من أدهم و مراد إلى طاولة أمام الواجهة الزجاجية التي ملأتها ندوب المطر الذي لا يزال ينهمر بالخارج أضاف أدهم قطعة أخرى من السكر إلى فنجان الشاي خاصته ثم تطلع إلى ابن خالته الساهم بعيدا و قال 
يا عم المتأمل انت جايين عشان نشاهد جمال بعض 
أفاق مراد من شروده و نظر إليه كان كل هذا الوقت يفكر كيف سيفاتحه في هذا الشأن الأمر الذي تأخر كثيرا أخيرا إتخذ القرار و أيقن كم هو بحاجة إليها إلى حبيبته
عندما كانت بين ذراعيه قبل يوم كم كان يتوق لها و لولا أن هددت بأن تسخى بروحها لما تركها تفلت منه قبل أن ينالها مجددا 
رغم ادعاءاته بأنه لم يعد يرغبها لكنها محض أكاذيب حاول أن يصدقها إنه يعشق إيمان و لعلها ترتيبات القدر ليعيدها إليه من جديد لقد اقترف جرما حين تخلى عنها مسبقا إلا أنه لن يكرر خطئه إنها الجانب الناعم أكثر من أحبته بصدق و منحته كل شيء و وثقت به لقد أثبتت ذلك بجدارة لكنه و لم يثبت لها أي شيء سوى حقارته 
لأ ده انت بتشاهد جمال فعلا قالها أدهم ملوحا بكفه أمام عيني مراد الشاردتين
إيه يابني مالك 
تنهد مراد بعمق و هو ينظر إليه بدقة الآن و قال بشبه ابتسامة 
و لا حاجة يا أدهم أنا تمام
أدهم بعدم
تصديق 
أيوة باين عليك قول الحقيقة يا مراد ما أنا مش هاسيبك تغرز في الحالة دي أكتر من كده لازم تقرر خطوتك الجاية بسرعة لو فضلت كده هاتخسر كتير
طمأنه ماتقلقش عليا أنا فعلا مقرر كل حاجة و لو بتلمح لموضوع طليقتي ف أطمن أنا خلاص شيلتها من راسي
فعلا 
أيوة طبعا و عشان تصدق أنا صفيت شغلي في لندن و قررت أستقر هنا هامسك شغل أبويا في مصر و شوية شوية أوسعه و كل إهتمامي هايبقى على كده
طيب حلو أوي برافو يا مراد و الله تصدق أنا دايما بكون قلقان عليك من حياتك برا دي بجد أحسن حاجة فكرت فيها و أكيد هنا هاتقدر تحقق أحلامك بردو ربنا يوفقك و يسدد خطاك
مراد بامتنان حبيبي يا أدهم أنا مش عارف أصلا أشكرك إزاي على كل إللي عملته معايا من ساعة ما حطيت رجلي هنا
عيب يا بابا الكلام ده انت أخويا يا مراد مافيش شكر بين الأخوات صح 
صح و ابتسم مكملا بتردد 
و عشان إحنا أخوات يا أدهم تسمحلي اتجرأ و أطلب منك حاجة 
قول يا مراد طبعا 
تنحنح مراد متململا بمقعده ثم قال بكلمات غير مرتبة 
هو أنا كنت بقول يعني إني محتاج أحط نفسي في علاقة أحسن و أصح من السابقة عشان أقدر أتخطاها تماما 
أدهم بدهشة بتفكر تتجوز يعني عين العقل و الله أنا بشجعك و مش زي الأراء إللي بتقول تتعافى من الچرح الأول و بعدين تعيش حياتك غلط الانسان بيكون محتاج حد ياخد بإيده و يساعده و
عامة الراجل مننا مايقدرش يعيش وحيد ماكنش ربنا خلق حوا لآدم تأنسه و تكون شريكته 
ابتسم مراد أكثر و قد منحه أدهم بكلامه الثقة ليصارحه 
معاك حق يا أدهم إحنا مانقدرش نعيش لوحدنا
نفس الكلام ينطبق على الستات كمان عشان كده أنا دايما بزن على إيمان أختي في موضوع الجواز رغم رفضها و أكمل و قد امتعض وجهه 
و لو إنها أخيرا اقتنعت و وافقت تبدأ صفحة جديدة من حياتها الشخص إللي اختارته مايرضنيش بالمرة لكن انا مقدرش أعارضها و بيني و بينك ما صدقت إن دماغها لانت إيمان طول عمرها مصدر قلق بالنسبة لي و تملي حامل همها 
كان مراد يستمع إليه مشدوها غير مصدقا من الذي يتحدث عنه أدهم 
هل يمكن أن يكون عنه هو 
أم عن غيره 
لا يمكن أن يكون رجل غيره لا 
انت بتقول إيه يا أدهم سأله مراد شاحبا
ليبتسم أدهم قائلا 
آه صحيح أنا نسيت أقولك إيمان أختي هاتجوز بعد إضرابها من ساعة ۏفاة أبو لمى
إيمان هاتجوز ردد مراد مصډوما
لم يلاحظ أدهم اضطرابه و أضاف و قد عاوده الكدر 
أيوة يا سيدي هاتجوز هاتجوز عم بنتها لمى مالك ابن عمتي راجية  
أخيرا الفصل الجديد 
13
أقر بأني ضعيفة هشة و بلا إرادة أحبك و لا أستطيع تغيير هذا أحبك رغم الغدر رغم الهجر و رغم خطيئتي العظمى أحبك بيأس و دموع أحبك و لو واجهت المۏت على ذلك أنت لعنتي الأبدية 
إيمان
أدخل هتفت إيمان بصوت ذي نبرات مرتجفة
لينفتح باب غرفتها بعد لحظة و تطل رأس مايا عبر فتحته إبتسمتا لبعضهما من خلال المرآة و استأذنت مايا بلباقة 
ممكن أدخل يا إيمي 
أومأت لها الأخيرة 
معقول بتستأذني ادخلي يا مايا 
دلفت مايا و أغلقت خلفها باب الغرفة توجهت ناحية إيمان رأسا و عانقتها من ظهرها متمتمة 
عاملة إيه 
جاوبتها مبتسمة بمسحة حزن 
كويسة 
مايا مشككة يا بنت عيني في عينك كده 
تنهدت إيمان بعمق و استدارت لها بدا الوهن على قسماتها و هي تخبرها 
إنتي عارفة يا مايا أنا لازم أبان كويسة دايما حتى لو مش كده سيف الله يرحمه علمني كويس 
عبست

مايا قائلة بتعاطف 
إنتي مش مقتنعة بمالك صح ماتداريش عليا أنا كمان مش مصدقة و ماكنتش أتخيل حتى أن مالك يفكر في كده بس إنتي يا إيمان في لإيدك تنهي المهزلة دي 
مش عايزة أنهي حاجة يا مايا صحيح كل إللي قلتيه ده لكن أنا ماعنتش بفكر في نفسي أنا نسيت نفسي من زمان أصلا 
أومال بتفكري في مين يا إيمان غمغمت مايا بشيء من العصبية
لترد إيمان بلا تردد 
بنتي يا مايا لمى هي إللي لازم تشغل كل تفكيري و لمى محتاجة أب مش هاتعيش فترة طفولتها و حتى لما تكبر منغير أب و أنا مش هالاقي لبنتي أحسن من مالك يقوم بالدور ده هو عمها و أحق بتربيتها و أكتر واحد ممكن يحبها و يرعاها 
صدمة قشعريرة ألم في المعدة جبينه يتندى بالعرق الطفيف
بعد سماعه تلك الأخبار لم يستطع نطقا بعدها و ظل فقط يحملق