رواية مريم


حبيبها مراد لحظة مجيئه إلى هنا ليطالب بها زوجة له
و لكن أين هو 
ليس هو الذي جاء بل غيره
لقد جاء رجل لا تحبه و لا تعرف كيف ستسمح له حتى أن يتقرب إليها فماذا عن تبادل الحب 
سيكون هذا مؤلما كما هو مؤلم الآن أن تتحضر و تتزين لأجله هو إنها في كابوس و لا مجال للخروج منه أبدا كما يبدو 
وضعت إيمان اللمسات الأخيرة على وجهها من مساحيق التجميل الخفيفة و أخيرا وقفت أمام المرآة تلقي على نفسها نظرة و رغم ما كابدته طوال الليلة الماضية حتى مطلع الفجر إلا إنها بدت جميلة جدا 
في ثوبها الوردي الأنيق فضفاضا ذي طوق ذهبي يظهر منحنى خصرها المنسق و حجابها الرقيق اختارته وشاحا أبيض شفاف أسفله قماش مزركش غطى شعرها بالكامل و الآن صارت جاهزة 
و كدأب كل عروس خرجت من غرفتها و هي على قدر من التوتر ذهبت عند أمها بالمطبخ و قد كانت أمينة قد حضرت صينية المشروبات و طبق الحلويات المشكل و الكعك الطازج الذي طلبته في الصباح من أشهر متاجر الحلو 
إيه يا نور عيني الجمال ده كله قالتها أمينة بحبور ما إن رأت إبنتها أمامها
تركت من يدها كل شيء و اقتربت منها أحاطت بكتفيها و قالت و عينيها تلتمع بالدموع 
زي القمر يا إيمان أمال لما تبقي عروسة إن شاء الله عن قريب هاتبقي إزاي قل أعوذ برب الفلق يا حبيبتي
و عانقتها بقوة ثم نظرت في وجهها الذي رغم بهائه يحمل مسحة حزن لكنها غير ملحوظة تماما 
رغم إني كنت مسخسراكي في سيف ابن راجية قالتها أمينة بقليل من الامتعاض
كان نفسي ليكي في راجل عليه القيمة أكتر من كده زي إللي كنتي بترفضيهم دول أتاريني ماكنتش أعرف إنك بتحبي سيف و قاعدة عشانه
إيمان بابتسامة متكلفة و قالت 
أديكي عرفتي يا ماما أنا بحب سيف و هو بيحبني أنا عايزاه 
و قد كانت تكذب حتما 
أومأت لها أمها ثم قالت و هي تحملها صينية المشروبات 
ماتقلقيش يا نن عيني أنا منايا أفرح بيكي من زمان و ما صدقت دماغك لانت أنا اتكلمت مع أخوكي و قدرت أقنعه إن شاء الله كله هايتم على خير أطلعي على مهلك قدمي الشربات لحماكي الأول و بعدين تقعدي جمب عريسك يلا يا حبيبتي 
سحبت إيمان نفسا عميقا و خرجت أمام أمها على ضيوفهم كانت يداها ترتعشان و لم تكن تتحكم بهما لكنها ناضلت وصولا إلى السيد حسن كي لا يسقط منها شيء 
قدمت له مبتسمة فتناول حسن الكأس متمتما 
تسلم إيديكي يا عروستنا إيه الحلاوة دي كلها يا إيمان إحلوتي على حلاوتك عن آخر مرة شوفتك 
ردت إيمان بخجل 
ميرسي يا عمي حمدلله على السلامة
الله يسلمك يا حبيبتي عقبال ما أفرح بيكي في أقرب وقت بأمر الله
غضت إيمان عينيها من شدة خجلها من كلماته و تنقلت إلى عمتها تقدم لها كأسها 
هاتي يا حبيبتي هتفت راجية و على وجهها أكبر ابتسامة
اسم الله و الحارس الله قمر 14 ياناس عروسة إبني زي القمر
لم ترد إيمان و انتقلت إلى أخيها أبى أدهم أن يأخذ منها بإشارة من يده فتابعت حتى وصلت أمامه امام سيف الذي جلس فوق الأريكة الصغيرة وحده
تطلعت إليه رغما عنها كان حادا و خطېرا بقدر ما كان وسيما في حلته السوداء و لا تعرف لماذا أفزعتها نظرته المظلمة بادئ الأمر قبل أن يبددها بابتسامة تكنف شيء من الاستهجان
مد سيف يده و أخذ كأسه قائلا بصوته الأجش 
تسلم إيدك 
تحررت إيمان من أسر عينيه حين صرف ناظريه عنها لحظتها فقط تنفست الصعداء و هي تلتفت لتضع الصينية فوق الطاولة ثم جلست إلى جواره تاركة بينهما مسافة 
كان اضطرابها على أشده و راحتيها تصببان عرقا مع السكون المحيط بها لم يهدئها قليلا إلا صوت حسن الذي طفا على سطح الصمت 
أدينا بنشرب الشربات و عروستنا قاعدة معانا أهيه يا أدهم أنا طلبتها منك لسيف ابني باعتبارك أخوها الكبير و راجل البيت ده كله قلت لي الرأي رأيها ف ممكن تسألها قصادنا 
تنهد أدهم مرفرفا بجفونه كان متكدرا و غير راضيا من داخله و هو يسأل شقيقته بصوت صلد 
إيمان إيه رأيك في إللي سمعتيه موافقة تتجوزي سيف و لا لأ 
كان سيف يجلس باردا كالثلج و مسترخيا للغاية و هو ينظر صوبها بجانبه متسليا بارتباكها الظاهر فهو يعلم يقينا جوابها و قبل أن تنطقه و مع ذلك فقد أطربته كلماتها التالية 
أنا موافقة أتجوز سيف يا أدهم 
أصابت
خيبة الأمل أدهم و افترشت محياه لكن لحسن حظ العروسين طغى عليها هتاف حسن الجذل 
على بركة الله و مبروك علينا كلنا يبقى إن شاء الله كتب الكتاب و الفرح مع بعض آخر الشهر ده أنا عارف إن سلوكم هنا مش بتوافقوا على الخطوبة و كله جاهز و لا إيه يا ست أمينة 
ردت أمينة و دموع الفرح تترقرق بعينيها 
يا أستاذ حسن كفاية مجيتك إحنا نجهزها و نوصلها لحد عندك إللي تقول عليه طبعا انت في مقام أبوها
يعلم ربنا كلهم ولادي و إيمان بالذات تاخد عيني من جوا بإذن الله انا متكفل بكل حاجة عايزها بالهدمة إللي عليها و بس و كمان هاعمل لها فرح ماتعملش زيه و الشبكة إللي تختارها إن شالله تكلفني ثروة إللي هي عايزاه كله هايحصل 
و هنا انطلقت الزغاريد المجلجلة من فم راجية أعقبتها أمينة هي الأخرى ليستغل سيف الموقف و يميل صوب عروسه قليلا هامسا بصوت لا يسمعه سواها 
مبروك يا حبيبتي 
رمقته إيمان بطرف عينها و قالت 
الله يبارك فيك 
علت زاوية فمه بابتسامة شريرة و هو يستطرد بكلمات جمدت الډماء بعروقها 
أوعدك إنك هاتشوفي معايا إللي عمرك ما شوفتيه هفاجئك و هاتعرفي أنا أد إيه بحبك و بعشقك 
كانت كلماته لطيفة كما يبدو لكنها لم تشعر بها على هذا النحو أبدا خاڤت و لم يخبو خۏفها منذ تلك الليلة أبدا 
لما فتحت
إيمان عمران عينيها و هي امرأة في الثانية و الثلاثين من عمرها وجدت أمها توقظها بلطمات خفيفة على وجنتيها الملتهبتين 
إيمان إنتي نمتي تاني يا حبيبتي إنتي تعبانة أوي و لا إيه أتصل بالدكتور 
أجبرت إيمان نفسها على الصحوة و نظرت لأمها بتركيز مضن ثم قالت مصارعة لهجة النعاس و هي تعتدل في فراشها 
أنا كويسة يا ماما ماتقلقيش بس راسي تقيلة إنهاردة عادي يعني مستكترة عليا أريح يوم في السرير 
مسحت أمينة على شعرها قائلة بتعاطف 
لأ يا حبيبتي ريحي زي ما تحبي أنا بس بقلق عليكي و اليومين دول بالأخص أحوالك مش عجباني 
صدق حدس الأم
التي شعرت بحالة الأكتئاب المسيطرة على إبنتها 
ابتسمت إيمان بصعوبة و قالت محاولة طمئنة أمها 
أنا كويسة يا ماما 
هزت أمينة رأسها غير مصدقة ادعائها لكنها لم تسهب فيه أكثر و قالت لها بتردد 
في خبر مهم من ناحية عمتك راجية تحبي تسمعيه دلوقتي و لا بعدين 
عبست متسائلة في الحال 
خير يا ماما قولي 
تنهدت أمينة حائرة كيف تصوغ ذلك إلا إنها حاولت 
مالك ابن عمتك 
حثتها ماله يا أمي إتكلمي 
زفرت أمينة مطولا ثم ألقتها بوجهها دفعة واحدة 
مالك طالب إيدك من أخوكي أدهم 
إمتد الصمت دقيقة كاملة ثم سألتها إيمان ثانية مشككة في سمعها 
إيه 
كررت أمينة مشفقة على صډمتها 
مالك عايز يتجوزك يا إيمان 
12
لقد وقعت في فخك و هذا ما كنت تسعي إليه ادركت أخيرا أن أهم شيء هو الحب و لكن بعد فوات الأوان 
مراد
حانت ساعة العشاء و اليوم الدعوة عند السيدة أمينة لم يتكلم أدهم عندما لم يجد شقيقته إيمان على المائدة لم يكن يود أن يكرر كلامه كثيرا في هذا الموضوع المحسوم سلفا لذلك انتظر حتى فرغوا من تناول الطعام و انتقلوا إلى غرفة المعيشة
صنعت سلاف القهوة و جاءت لتجلس بجوار زوجها قدمت له فنجانه مبتسمة فشكرها عابسا 
تسلم إيدك يا حبيبتي
سلاف برقة بالهنا يا حبيبي
ارتشف أدهم القليل من القهوة السادة خاصته ثم تطلع إلى أمه قائلا 
بلغتي إيمان بالخبر إللي قلته لك يا ماما 
أومأت أمينة و الحزن يبدو عميقا بعينيها 
أيوة يابني قلت لها
و كان إيه ردها 
ماردتش أصلا يا أدهم يا حبة عيني اټصدمت ثم قالت بانفعال 
أنا مش مستوعبة أصلا هو جنس عمتك ده إيه مش كفاية إللي شوفناه كلنا منهم إزاي خطړ لها كده عايزة بنتي الكبيرة تتجوز إبنها إللي لسا مخلص تعليمه و بياخد المصروف منها دي إتجننت 
كف أدهم حديثها بصرامة 
أمي إسمعيني المشكلة هنا مش فرق السن و لا في مالك شخصيا بالعكس مالك أخلاقه ممتازة و كمان مابقاش الشاب المراهق بتاع زمان دلوقت راجل و مسؤول من يوم ۏفاة أخوه كلنا عارفين إنه إتبدل للأحسن أنا طبعا كنت هاوافق على مالك في حالة واحدة بس
تساءلت أمينة بين الاستنكار و الفضول 
إيه هي بقى 
جاوبها أدهم ببغض لم يفلح بكظمه 
لو كانت أمه مش عمتي راجية رغم إني سامحتها في إللي عملته فيا و شغل الدجل و السحر لكن هي تابت و ربنا بيقبل التوبة من عباده مهما كانت ذنوبهم مش معقول أنا هافضل شايل و خاصة إنها عمتي و في صلة رحم لكن كل ده بردو كوم و مشاعري إللي جوايا و إللي مش بإيدي أتحكم فيها كوم تاني أنا مش هاسمح لها تدخل حياتنا زي الأول مستحيل 
أيدته أمينة في هذه 
طبعا يا حبيبي و أنا من رأيك أنا بس اټصدمت زي عملة أختك بالظبط ماتخيلتش أبدا أفكار عمتك تستفحل في الشړ لكده و الواحد كان مفكر إن ربنا هداها بعد مۏت إبنها إللي كان روحها فيه لكن الظاهر مافيش فايدة الطبع غلاب فعلا
شرب أدهم فنجانه

كله بجرعة كبيرة ثم وضعه فوق الطاولة أمامه هاتفا بشيء من العصبية 
أنا ماليش سلطة في الرفض أو القبول و إلا كنت نهيت الموضوع من أول كلمة من فضلك يا أمي أدخلي ناديلي إيمان تديني كلمتها عشان نخلص من القصة دي خالص 
أنا موافقة يا أدهم 
جمد المكان و الهواء صار خانقا للحظات قبل أن يلتفت لها الجميع كان إيمان التي نطقت بتلك الجملة 
كانت تقف عند أعتاب غرفة المعيشة في قمة الثقة و الإتزان نظرت بعيني أخيها الذي نطق أخيرا بذهول 
موافقة على إيه يا إيمان 
قالتها ملء أسماعهم مرة أخرى و بحزم 
موافقة أتجوز مالك ابن عمتي راجية 
صوت موسيقى عذبة أخرجته من كابوسه أولا ثم شعاع الشمس الذي اخترق نوافذ الغرفة فتح عيناه بتثاقل و استقام على مرفقه بمشقة مد يده نحو الكومود ليطفئ المنبه
أطلق