رواية مريم


مش هاتشوفي يوم هنا من بعده 
الدموع الدموع الدموع لا يمكنها إيقافها 
لا زالت الصغيرة تبكي على حالها منذ يومان لم يفلح أحد باسكات الحزن عنها حتى خالها كان له تأثير طفيف عليها حيث جعلها تهدأ و لكنها لم تكف عن البكاء
كانت تريد أمها و لكن أمها لا تريدها ظلت إيمان بمعزل عن الجميع لا تبارح غرفتها توصدها بالمفتاح و لا يرق قلبها طرفة عين على صغيرتها التي تقف وراء بابها تطرق عليها و هي تبكي و تستجدي عطفها 
كدأب كل يوم يعود أدهم من العمل يحضر لها الحلوى يتناول الغداء ثم يجلس معها يحاول أن يروح عنها و يسعدها بشتى الطرق لكنها لا تستجيب حتى فقد الأمل بالفعل و كان يخشى أن تخرب نفسية الطفلة و لا تستطيع تجاوز أزمة والدتها طوال عمرها 
يدق جرس الباب فيقوم أدهم حاملا لمى على ذراعه و هو يهتف لتسمعه كلا
من أمه و زوجته
أمي مراد وصل ادخلي شوفي إيمان 
مشى أدهم ليفتح الباب الأمامي و بالفعل كان مراد وصل في موعده 
على فكرة أنا واقف هنا بقالي ربع ساعة قالها مراد مبتسما ببساطة
بس ماحبتش أدخل قبل معادي 
رفع أدهم حاجبيه مؤنبا إياه
انت بتهرج على أساس سيادتك غريب يعني 
حافظ مراد على ابتسامته و هو يذكره قائلا
أنا مش ناسي إني خونت ثقتك قبل كده اعترافي بحبي لإيمان كان خېانة بالنسبة لك من يومها و أنا لوحدي بعتبر نفسي غريب يا أدهم 
رمقه أدهم بنظرة معاتبة و لطيفة في آن ثم أمسكه من رسغه و أمره بصرامة
ادخل يا مراد 
انصاع مراد إليه و دلف إلى الداخل ساقه أدهم إلى غرفة المعيشة بين الأطفال و ألعابهم و التلفاز الذي يعرض الرسوم المتحركة ذلك إثبات له إنه فردا من العائلة لا ينقصه سوى أن يتزوج إيمان ليكتمل الأمر 
جلس مراد مداعبا الأطفال و أولى جل اهتمامه بالصغيرة لمى مد يديه صوبها قائلا
لولي القمر ازيك يا حبيبتي مش هاتيجي تسلمي عليا و تديني بوسة
أطلق أدهم سراحها و حثها بلطف
روحي يا حبيبتي 
ترددت الصغيرة بالبادئ متشبثة بحضن خالها كانت ترمق مراد بكراهية واضحة لكنها أذعنت في الأخير و نزلت عن قدم أدهم و مشت صوب الأخير ببطء
تلقفها مراد محتضنا إياها بعفوية ثم رفعها ليجلسها فوق قدمه و هو
يمسح على شعرها اللولبي الناعم 
بوسة بقى تمتم مراد مشيرا بسبابته إلى خده
لتنظر الصغيرة نحو خالها نظرة كمن يطلب الإذن فأومأ أدهم سامحا لها و هو يقول
بوسيه يا لمى مراد بقى زي باباكي من هنا و رايح ممكن تقوليله بابا لو حبيتي 
أول من جفل لهذا التصريح كان مراد نفسه كلمات أدهم خلقت بداخله شعور لأول مرة يختبره لكنه شعور جميل 
يعني هو ده مراد إللي مامي بتحبه وجهت لمى سؤالها لخالها
بهت أدهم و لم يستطع إجابتها للحظات لتستطرد و هي تعبس پغضب و تدمع من جديد
ده مراد إللي مامي كل يوم بټعيط عشانه و مش عاوزة تشوفني عشانه أنا مش هاقوله بابي ده مش بابي انا بكرهه بكرهه بكرهه 
و اڼفجرت باكية و هي تقفز من على قدم مراد أطلقت ساقيها راكضة للداخل بينما ينادي خالها عليها و اللوعة في صوته كبيرة
لمى لمى 
و لكنها لم تتوقف و اختفت بإحدى الغرف أتت سلاف على إثر الصياح و الصړاخ متسائلة
في إيه يا أدهم 
كانت تضع نقابها الآن أقلقها تعبير زوجها الجازع بينما يخبرها
لمى مش عارف أتصرف معاها إزاي من فضلك يا سلاف أدخلي شوفيها فين و حاولي تهديها 
أومأت سلاف حاضر داخلة أهو حالا
ذهبت إلى الصغيرة في الحال ليتنهد أدهم هازا رأسه بيأس و هو
يقول بخفوت
الله يسامحك يا إيمان الله يسامحك يا أختي 
ثم رفع رأسه لينظر إلى مراد لم يكن أقل توترا زيادة عليه شعر بالخجل و الحرج الشديد 
تنحنح أدهم و هو يمد يده رابتا على قدم الأخيرو قال
مراد ماتزعلش من لمى هي بس متاثرة بحالة أمها النفسية و بعدين دي لسا طفلة 
أشاح مراد بنظراته للأمام و هو يقول متصنعا إبتسامة
مافيش حاجة يا أدهم معقول هازعل من لمى دي بقت بنتي زي ما قلت ربنا يقدرني و أكون ليها الأب إللي تتمناه 
رد أدهم له الإبتسامة قائلا
أنا واثق إنك هاتكون نعم الأب ليها 
غير مراد مجرى الحديث متطلعا إليه مرة أخرى
ورقة الطلاق وصلت
المحامي قال الإجراءات كلها خلصت انهاردة يومين كمان و هاتوصل إن شاء الله
انت قابلت إللي اسمه مالك ده
قست نظرات أدهم و هو يجاوبه بغلظة
لأ هو نفسه بيتلاشاني بصراحة كده أحسن عشان مش ضامن نفسي لو شفته قصادي ممكن ارتكب چريمة 
ابتسم مراد بخفة مرردا بعقله ماتقلقش أنا قمت بالواجب و زيادة 
تعالي يا إيمان هتف أدهم فجأة
لينظر مراد حيث وجه الأخير نظراته 
أخيرا ظهرت إيمان إلى جانب والدتها متشحة بعباءة سوداء وججها أبيض شاحب في الحجاب الداكن تنظر للأرض و لا تتكلم
اقتربت فقط إنصياعا لكلمة أخيها جلست في الكرسي المجاور له و جلست أمينة في الأريكة الصغيرة وحدها 
مراد جاي يقدم لك هدية قالها أدهم مخاطبا أخته و تابع ناقلا ناظريه بينها و بين ابن خالته
مش هاعتبرها هدية خطوبة لأن الخطبة في فترة العدة محرمة لكن هو صمم يهاديكي و الهدية مقبولة و لا مش حابة 
مرت لحظات طويلة من الصمت ثم رفعت إيمان رأسها و نظرت مباشرة في عيني مراد توقفت أنفاسه لبرهة و هو يحدق في عيني المها خاصتها
كانت تبرق الآن الشيء الوحيد الذي يتوهج في ملامحها الشاحبة أسرته حتى في بؤسها و كآبتها و استطاع أن يرى تاثيره السريع عليها في تخضيب وجنتيها بالحمرة الطفيفة الآن
اطمئن
أدرك بأن الأمل لا زال معه و أن بامكانه مساعدتها لأنها لا زالت تريده ربما أكثر مما يريدها 
حابة 
خرجت الموافقة من فمها جافة فزحفت يد مراد على الفور و أستل من جيب سترته علبة مخملية مستطيلة الحجم نظر إلى أدهم يطلب الإذن
تسمح لي أقدمها لها 
حذره أدهم حافظ على المسافة 
ابتسم مراد بامتنان قام و مشى صوب إيمان توقف على بعد قدم و ركع أمامها على ركبة واحدة ثم فتح العلبة أمام عينيها الامعتين لتبرز إليها سلسلة من البلاتين الخالص بدلاية مرصعة بالألماس تتوسطها ما يشبه الفقعة
كانت جميلة و مثالية كفاية حتى أوضح مراد لها مشيرا بسبابته لتلك الفقعة
دي عدسة صغيرة لو بصيتي جواها هتقري الجملة دي 
بصي كده 
فعلت إيمان ما يمليه عليها ألقت نظرة في العدسة التي قربها إليها أكثر و بالفعل استطاعت قراءة هذا أحبك بكل اللغات 
تلقائيا رفعت بصرها إليه مبهورة رفرفت بأجفانها بينما يبتسم لها برومانسية محركا شفتيه لتقرأ ما يهمس به بلا صوت
بحبك 
و لأول مرة منذ فترة طويلة جدا
ابتسمت إيمان 
و أثرت سعادتها اللحظية على الجميع أصابت عدوى الابتسام كلا من أخيها و أمها و تنهد أدهم براحة ممنيا نفسه بمستقبل مشرق و هانئ للجميع 
يوم الزفاف 
28 1
سأعطي أي شيء مقابل أن أراك تبتسمين 
مراد
يوم الزفاف 
أخيرا إنقضت شهور العدة بعد عناء و عڈاب استمر لسنوات طويلة كل شيء مثالي اليوم رغم أن الزفاف سيقام هنا بمنزل العروس كان هذا شرطها الوحيد أن تخرج من بيت أبيها كما خرجت منه أول مرة أرادت أن تمحي الذكرى الأولى بالثانية مع إن مراد رغب كثيرا أن يصنع لها عرسا فخما و عرض عليها اقتراحات عدة 
إذا أحبت أن يقام بأبرز فنادق المدينة أو على الشاطئ أو حتى خارج البلاد 
كان سيفعل أي شيء تطلبه لذا أذعن لإرادتها في الأخير و وافق أن يكون عرسهما بمنزلها 
لكنه أيضا أصر أن تعيش ليلتها على أكمل وجه و أن تترسخ بذهنا أجمل اللحظات الليلة ستكون ليلة الأحلام لحبيبته
ليلة عمرها الحقيقية
ما مضى بعمرها لم يكن سوى حلم سيئ و الليلة ستنال مرادها 
إنه هنا منذ البارحة بعد إنتهاء ليلة الحناء عرض أدهم عليه أن يمكثا معا بشقته بينما سلاف و الأولاد سيقضوا الليل بشقة أمه 
وافق مراد برحابة صدر و استيقظ في الصباح مليئا بالنشاط و السعادة في تمام الثامنة صباحا كان هو و أدهم قد فرغا من تناول الفطور و تأهبا للذهاب إلى بيت الأزياء ليحضرا بذلة العريس ثم بعدها إلى صالون الرجال ليتجهزا سويا 
أنا مش ممكن أدخل أشوف إيمان تساءل مراد و هو يقف بجوار أدهم داخل المصعد
نظر له أدهم معلقا باستنكار 
واضح إن عندك مشكلة في تقدير الأوضاع حضرتك ناسي إنك لسا ماكتبتش عليها بأي صفة تشوفها 
تأفف مراد يا أدهم مش معقول كده الدنيا كلها عارفة إن الليلة دي فرحنا أنا و إيمان يعني في نظر الكل إحنا في حكم المتجوزين بتقفلها عليا ليه 
أدهم بحدة و جايز بردو يحصل أي ظرف و لا قدر الله الجواز يتلغي يبقى نشيل وزر و خلاص 
رفع مراد حاجبه متعجبا 
وزر إيه هو أنا بقولك أبوسها ده أنا بقولك اشوفها بس 
عبس أدهم مبديا غضبه و قال بخشونة 
إتلم يا مراد خلي يومك معايا يعدي على خير و ماتعكش كل حاجة على أخرتها كده 
ثم أوقف المصعد بطابق والدته دفع الباب و خطى للأمام

و هو يملي عليه بحزم 
استناني تحت هادخل أطمن عليهم بسرعة و نازل لك 
و أغلق الباب من بعده 
زفر مراد بضيق و ضغط زر المصعد مستأنفا هبوطه للأسفل خرج من البناية متلفتا حوله يرى العمالة لا يزالوا هنا لم ينصرفوا إلى بيوتهم منذ ليلة أمس قائمين على تحضير أروع التصميمات لأجل العرس من النظرة الأولى أطمئن بأن ما أراده هو ما سيكون تماما فقد كلف الكثير لإحضار أكثر محترفي هذه المهنة ليجعلوا من حديقة هذا البيت العادية قطعة من الجنة 
ابتسم مراد بغتة و لا شعوريا جرت يده لتستل هاتفه من جيب سترته أجرى الإتصال بها فورا قرر إنه إن لم يتلقى ردا عند الدقة الثالثة فسيغلق لأنها غالبا ستكون نائمة الآن
و هو لا يريد أن ينتزعها من غفوتها حتى تأخذ كفايتها من الراحة فاليوم طويل و لم يبدأ بعد 
آلو 
ردت
عند الثالثة تماما
تراقصت البسمة على ثغر مراد و هو يتذوق صوتها بسمعه مجددا كان مزيج من التوتر و اللهفة مثل لهفته عليها إنه بالكاد يطيق صبرا ليجتمعا وحدهما فمهما وصف لا يستطيع أن يشرح معاناته طوال ثلاثة أشهر و يومان و هو يراها
أمامه و لا يمكنه حتى أن يمسها 
إيماني