رواية مريم


يمزقه الندم 
كنت صغير كنت طايش ماكنتش مفكر إن هاييجي يوم و أشوفك تاني فوق كل ده ماكنتش حاسس إني حبيتك أوي للدرجة دي زي ما أكون مټخدر طول السنين إللي بعدتها عنك مافيش واحدة في العالم ده كله ليها تأثير عليا زيك مافيش واحدة حبتني غيرك و لا أنا حبيتك غيرك يا إيمان عرفت قبلك و بعدك لكن انتي انتي حبي الأول و الأخير 
لا زالت تبكي على صدره و لا تعرف إلى أي مدى هو صادق لكن حتى لو كان نادما هل سيغير ندمه أي شيء 
يتعين أن يكون نادما فإن الندم أقل ما يمكن إظهاره ليكفر عن جريرته بحقها 
ممكن تخرج لحد ما أخلص بس تمتمت إيمان بصعوبة دون أن تحاول إبعاده عنها
في الحقيقة لا تريده أن يبتعد عقلها يأمرها بأن تبعده لكن قلبها و جسمها ېصرخان بتوسل ليبقى 
لحظة أخرى و نفذ رغبتها ابتعد للخلف قائلا بهدوء 
حاضر هاخرج أطلب الفطار على ما تخلصي 
و أضاف قبل أن يمضي ليتجاوزها 
بس ماتطوليش انتي نمتي منغير عشا و لسا مافطرتيش ماينفعش تجهدي نفسك أوي 
و خرج 
بقيت وحيدة الآن لكنها تشعر بالأمان لأنها تدرك بأنه هنا معها
على بعد عشرة أقدام الشخص الوحيد الذي يعطي معنى لحياتها
صار معها من الآن
و إلى الأبد 
عصر الجمعة 
عطلة زوجها الوحيدة بالاسبوع عادة ما يبدأها بالذهاب من بكرة الصباح إلى صالة الرياضة ثم يعود إلى البيت قبل موعد الصلاة کرهت أن تقضي النهار بالبيت لأول مرة منذ وقت طويل باشرت تقطيع الفاكهة لصنع مرطبات و عصائر لأولادها و والدهم
لكن ذلك
على العكس أيضا لم يشكل أي إلهاء
كانت غاضبة جدا و لا يمكنها إلا أن تشعر بالغيرة 
أجل سلاف تغير 
لديها أسرة و زوج يحبها و تحبه و لكن حياتها تعاني
من الرتابة الشديدة مؤخرا ما حدث الأمس هو ما يحدث اليوم ما سيحدث غدا 
ملل و الملل فقط
بينما هي الزوجة المطيعة المتعقلة تخوض حياة كهذه تنال شقيقة زوجها الطائشة كل ما تمنته الرجل الذي أحبته و اقترفت معه المحرمات زفاف الأحلام و هي الأرملة و المطلقة و الأم لطفلة 
كيف يحدث هذا معها 
كيف يمكنها أن تحظى بكل ذلك في ظروف مثل ظروفها 
كيف 
ألا يكفي أنها تحمل عنها وزر خطيئتها في إخفاء ما رأته من فسوق و فجور سواء عن عمتها أو زوجها 
لقد نال منها المړض بسبب كتمان ذلك السر اللعېن إلى متى عليها أن تكتمه و تتحمل سخافات الجميع 
اتفضل قالتها سلاف باقتضاب و هي تضع أمام زوجها كأس العصير
استرعت نبرتها انتباه أدهم الذي سلخ ناظريه عن شاشة التلفاز التي تعرض مباراة شيقة
تطلع إلى زوجته فوجدها تشيح عنه متعمدة و هي تهتم بصغارها و تقدم لهم كؤوسهم المغطاة 
سلاف هتف أدهم بصوته اللطيف يتجذب إنتباهها
لكنها ترد دون أن تنظر إليه 
نعم 
رفع حاجبه و هو يسألها بغرابة 
مالك يا سلاف 
ردت عليه بنفس اللهجة الجافة 
و لا حاجة 
و حملت الصنينة الفارغة عائدة أدراجها إلى المطبخ 
يترك أدهم المباراة و يلحق بها مناديا 
سلاف 
لكنها لا تتوقف تصغي إليه و تتجاهله 
انتي فعلا سامعاني و مش بتردي صاح أدهم من بين أسنانه و هو يقبض على معصمها محاصرا إياها بمنتصف الرواق
كان يبذل أقصى جهد حتى لا يستمع الصغار إلى صوته العال 
أدهم بجد مش قادرة لك ابعد عني دلوقتي 
الفتور في نظرتها و العصبية في عمق صوتها أثارتا حفيظته فأخذ يهز يدها بقوة مغمغما 
في إيه يا سلاف مالك 
إنفعلت بغتة و هي تسحب يدها من قبضته بكل قوتها 
مافيش حاجة بطلب منك تسيبني بس مش طايقة حاجة 
و تركته ماضية داخل المطبخ ليبقى هو مكانه للحظات يفكر يراجع نفسه هل أخطأ 
ما هو موطن خطؤه معها تحديدا 
إنها تبدو غاضبة حتى قبل ان يحاول التحدث إليها و لكن مم هي غاضبة 
لم يبقى أدهم ليفكر في هذا أكثر دلف ورائها إلى المطبخ فرآها تقف عند الحوض تجلي بعض الصحون و يبدو من حركة يديها العصبية و الكدر الشديد تلك الحالة نادرا ما تصل إليها و غالبا يكون السبب حقا كبير و ليس تافها مثل الذي تخترعه أحيانا لتتدلل عليه 
أنا آسف تمتم أدهم و هو يأتي من خلفها ملامسا كتفها بلطف
سمعها تتنهد بحرارة فأكمل بنفس الطريقة دون أن يجازف بالاقتراب اكثر حتى لا يزعجها 
انفعلت عليكي و عاملتك بقسۏة ماكنتش أقصد يا حبيبتي بس تصرفاتك فاجئتني ناديتك و ماردتيش عليا و حسيتك مضايقة قوليلي مالك انتي عارفة إني مش بحب أشوفك مضايقة 
لم تتغير لهجتها بل ازدادت حدة و هي ترتعش تحت لمسة يده من فرط العصبية 
قلت لك مافيش حاجة ليه مش عايز تفهم ليه مش عايز تسيبني في حالي 
و استدارت صوبه متقدة العينين كان يرمقها بخيبة أمل و حزن بين أراد جزء صغير بداخلها أن تكف عن الڠضب و النقمة عليه فقط حتى لا يظل ذلك
التعبير على وجهه لكنها لم تتحكم بنفسها فقدت تلك الصلاحية تماما الآن 
اهتاجت الأنفاس بصدرها و هي تفتح فاها ليخرج الكلام دون سيطرة مرة أخرى 
خلاص مابقتش حتى قادر تحترم إرادتي و لا عايز تديني مساحتي مطلوب مني أفضل مضغوطة طول عمري 
قطب جبينه بشدة و هي يرد عليها بغلظة 
تقصدي أي نوع من الضغط يا مدام أنا ماظنش بجهدك بطلباتي أبدا أنا أصلا طول أيام الأسبوع برا البيت و مساحتك إللي بتتكلمي عنها دي أكتر حاجة موفرهالك بسبب ظروف شغلي كده مش ناقص غير تشتكي من خدمة ولادك بس حتى دول لو تعبتي و كليتي بيهم عنك خالص و اعتبريهم مش ملزومين منك من دلوقتي ممكن أمي تتكفل بخدمتهم و ممكن أجيب واحدة تساعدها كمان في غياب إيمان و لا إنك تضايقي نفسك و تتعصبي علينا كده مش مستاهلة 
و كأن كلامه ما ينقصها لتهبط نفسيتها للقاع كان بيدها طبق مسطح هوت به پعنف صوب الأرض لينكسر في الحال محدثا جلبة كبيرة بينما تصرخ في وجهه و تصدمه أكثر 
محدش حاسس بيا انت كمان و لا بقيت تحس 
و أضافت و هي تلهج بصعوبة و الدموع تتساقط من عينيها 
أنا شايلة فوق طاقتي 
لم تكن لديه فرصة للرد و لا هي لإضافة شيء آخر شحبت فجأة و أزرقت شفتاها داهمتها نوبة الربو التي قطعتها لأشهر هذه المرة اعنف و أشد
تسعل و تشهق و كأنها بالنزع الأخير يتلاشى ڠضب أدهم منها كليا في هذه اللحظة يسارع غليها يلحق بها قبل ان ټنهار فوق ركبتيها يسندها بين ذراعيه و يهزها هاتفا بقلق شديد 
سلاف إهدي يا حبيبتي إهدي و خدي نفس 
حملها باللحظة التالية و هرول بها إلى غرفة النوم وضعها فوق الفراش و إنقلب يفتش بدرج الطاولة المحاذية حتى جاء بقنينة الدواء عاد إليها و أمسك رأسها بزاوية بين صدره و كتفه وضع فوهة القنينة بفمها ثم ضغط الرأس ثلاثا كما أشار الطبيب لينتشر البخاخ عبر القصبة الهوائية وصولا إلى الرئتين
و لعلها احتاجت لدقيقتين إلى ان تعافت من النوبة القاسېة
جلست هادئة بين ذراعيه و هو بدوره لم يثير أي نقاش بل بقى يضمها هكذا و يمسح على رأسها بحنان حتى تطلعت إليه
و بأعين دامعة مد كفها لتداعب لحيته تبسم لها ببساطة و لم يتكلم فقالت هي الجملة التي لم يتوقعها الآن قط 
أنا عايزاك دلوقتي 
أجفل أدهم بوضوح كان غريبا على اذنيه طلبها إنها في الحقيقة لم تطلبه بلسانها طوال سنين الزواج أراد أن يظن أي شيء آخر غير الذي فهمه
و لكن نظرتها تؤكده 
تنحنح أدهم مبددا ارتباكه و هو يتعاطى مع الأمر بحيادية قائلا 
لو كنتي صبرتي شوية بس منغير كل إللي حصل من عشر دقايق كنت انا إللي طلبت منك و مسد على خدها مستطردا 
بس انتي شكلك مرهق ممكن ترتاحي شوية بس 
واصلت التحديق إلى عينيه بقوة و هي تكرر 
دلوقتي يا أدهم 
حاول أن يجاريها بشكل طبيعي حتى يفهم ما بها بالتدريج فقال مذعنا لرغبتها 
حاضر هاخد الولاد طيب و أنزلهم عند ماما و جاي لك علطول 
هزت رأسها موافقة
أفلتها برفق و مضى خارجا من الغرفة و عقله لا يكف عن تحليل تصرفاتها 
فرغت من حمامها بعد قضاء ساعة بالداخل لما عادت إلى الغرفة وجدت الستائر مفتوحة و ضوء النهار مبهرا كان مراد يقف
بمحاذاة الشرفة العريضة يتحدث في هاتفه لا يزال و لا يرتدي سوى سروال البذلة
ما إن شعر بوجودها حتى أنهى المكالمة و استدار ناحيتها مبتسما بينما كانت تحدق الآن إلى كومة العلب هناك بجوار الخزانة الضخمة كلها تحمل علامات الماركات العالمية الفاخرة كريستيان ديور فيكتوريا سيكرت إيف سان لوران جيمي تشو 
أخيرا خلصتي هتف مراد مقبلا عليها
توقف على

بعد خطوة منها بينما تسأله مشيرة إلى الأغراض الكثيرة 
إيه كل الحاجات دي 
جاوبها مراد و هو يحك مؤخرة رأسه 
دي هدوم عشاني انا و انتي طلبتهم أون لاين انتي ناسية إننا جينا على هنا منغير شنطة هدوم مش معقول هاننزل من هنا بلبس الفرح و استطرد مطمئنا إياها 
ماتقلقيش انا اخترت لك هدوم تناسب الحجاب كلها فساتين واسعة و مانستش الإيشاربات طبعا هاننزل من هنا على بيتنا نحضر شنطة صغيرة ليا و ليكي و بالليل هانكون في المطار إن شاء الله
هانروح فين 
حقا كان الفضول يطل من عينيها فابتسم هازا رأسه و هو يقول 
لا لا يا قطة مش هاتوقعيني مش هاتعرفي أي حاجة دلوقتي قلت لك عندك جدول مفاجآت مش قلت 
زمت شفتيها مذعنة فمد يده ممسكا ذقنها بين سبابته و إبهامه قائلا 
الفطار هناك في التراث غيري هدومك و اقعدي افطري ماتستننيش أنا شربت القهوة و خلاص هاخد شاور بسرعة بس 
هم مراد بالإسراع للحمام لكن زوجته قبض على رسغه و استوقفته أدار وجهه لها و هو يرمقها بتساؤلا فبدا عليها القليل من الحرج و التردد
اقتربت منه كثيرا حد اللصوق و رفعت ذراعيه لتشبكهما حول عنقه وتشب قليلا وسط إجفاله ريبته لم يحاول مقاطعتها عن أي شيء تفعله فتحت فاها متمتمة على إستحياء 
ممكن تبتسم 
عبس مستغربا من طلبها لكن فك العبوس بسرعة و فعل ما طلبت رسم ابتسامة بسيطة على ثغره فقالت 
أكتر يا مراد ابتسامة أكبر 
ابتسم باتساع أكثر و هو يتساءل بداخله عشرات الأسئلة يخشى لو أنها فقدت عقلها اخيرا لكنه تفاجأ حين دنت منه مقبلة جانبي وجهه و الحفرة العميقة بذقنه 
أسبلت عيناها في خجل