بنتى


من المواضيع 
أعطيه رأيي بفخر ويعمل به
في ليلة النصف من شعبان وكعادتنا نصوم جميعنا ونفطر في بيت العائلة 
انهمكت جدتي ومعها عماتي وأمي وزوجة عمي بالمطبخ وقمن بصنع العديد من الأطباق الشهية من حساء وفتوش وكبة والبطاطا والأرز 
فجأة سمعنا صوت عال 
لقد وقع جدي على الأرض دون إنذار 
جدي لم يكن مريضا وبالكاد يتناول نوعا من الدواء فكان يقول أن الداء من الأڈى والشړ 
وأنا لست شريرا ولا مؤذيا 
ويقرأ القرآن وبعض الأدعية والمعوذات
ولكنه الآن مسجى على الأرض ويكاد يختنق أحضرنا له كأس ماء لم يستطع شربها
هرولت جدتي وهي تصيح خير خير سلامتك ابو صالح 
لم يرد فتح عينيه 
وبعد محاولات إيقاظه ورش ماء الزهر على وجهه فتح عينيه
و نظر مطولا إليها 
وكأنه يحاول تذكرها
قائلا من أنت وماذا تفعلين هنا 
أين سعاد أريد سعاد 
من هي سعاد 
كان جدي يهلوس ويتكلم كأنه لا يعرفنا 
مناديا باسم سعاد
وننظر لبعضنا بقلق 
إلا جدتي التي نظرت إليه بجد سعاد هي ابنة خالته وكان يحبها
وتزوجت من ثري عربي وتركت الشام منذ اكثر من نصف قرن
لكن جدي لم يستوعب وكأن عقله كان مغيبا وكأن شخصا آخر حل مكانه
أخذت جدتي من يدها إلى جنب وقلت لها هل جدي مريض قالت لا لم يكن كذلك
ولكنه منذ مدة يعاني بعض امړاض الشيخوخة وفقدان ذاكرة 
أحضر عمي الطبيب وهو جار لنا وكان تشخيصه جلطة دماغية وأوصى بتحاليل وصور أشعة وطبعا سارع أعمامي إلى إجراء ما يلزم وسط حزن وذهول وخوف وقلق من الجميع
لزمت جدتي الصمت وكأن الصدمة أصابت عقلها ولسانها معا 
فهذا الرفيق لازمته دهرا حتى نسيت أنها كانت حية قبل ارتباطها به منذ اكثر من خمسين عاما وكانت لاتزال في الخامسة عشرة من عمرها وقد أحاطها بالحب والدلال وكأنها أميرة على عرش قلبه 
الكل شارك بما يستطيع من جهد بعد مرض جدي المفاجئ نحضر الدواء ونعصر البرتقال ونبتعد عن اللعب والضجيج أمام غرفته
جدتي كانت تمسك بيده وكأنها تخشى رحيله فجأة كما وقع فجأة
وتمر الأيام حتى ذلك اليوم الحزين
أعلن فيه جدي عن استسلامه من هذه الحياة وبات يتنفس بصعوبة وصدره يختلج صعودا وهبوطا 
التف الجميع حوله بارتباك لا يعرفون ماذا يفعلون حتى حضور الطبيب 
في هذه الأثناء صار يتحدث بلغة مبهمة وأحرف غير مفهومة 
سو ع ا د سو عا د 
وفي لحظة من لحظات القدر المهيبة 
صړخت جدتي إنها ينادي حبه السابق ابنة خالته التي أحبها
ونظرنا إلى بعضنا بصمت 
كان ينادي اسما ابتعد عنه نصف قرن
وكأنها بقربه الآن 
وكلما نادى تقترب جدتي لوجهه اكثروكأنها تتأكد مما سمعت
لقد نطق فمه بمن أحب قلبه في لاوعيه وكأنما لسانه يقول لم أنسى حبي الأول رغم عشقه لهذه الجدة عروسه البيضاء ورغم حياته السعيدة معها ودلاله لها لكنه لم يكف عن حب صار خيالا وتلاشى في دروب النسيان
كانت الكلمات القليلة كفيلة أن نفهم حزن