درس فـي الكـرامة ونـهاية الغـرور كـاملة بقلـم منـي السـيد

ساد صمت تقيل ومفاجئ في صالة البنك، العيون كلها اتجهت للولد الصغير اللي كان واقف قدام الشباك، إيديه كانت بتترعش وهي ماسكة "شيك" مكرمش وكأنه بيقبض على أغلى ما يملك.
بصوت واطي، يا دوب طالع من بين شفايفه، قال: "لو سمحتي.. كنت عايز أصرف الشيك ده."
الناس اللي واقفة في الطابور بصوا لبعض.. فيه اللي تنهد بملل، وفيه اللي رسم على وشه ابتسامة سخرية. العيون كانت قاسېة، بتوزن الولد من ساسه لراسه.. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات جزمة قديمة عليها تراب الشارع، وجاكت لونه بهت من كتر الغسيل.
مديرة الفرع كانت قاعدة ورا مكتبها، سابت القلم من إيدها وبصتله ببرود: "يا حبيبي إحنا هنا في بنك، مش جمعية خيرية.. جبت الورقة دي منين؟"
الولد بلع ريقه وصوته اتهز: "بابا هو اللي ادهوني.. وقالي أجيبه هنا."
واحد من العملاء اللي قاعدين ورا ضحك بصوت مسموع، والمديرة رفعت حاجبها وقالت بتهكم: "بابا؟ وطب وفين بابا ده دلوقتي؟"
الولد سكت لحظة، وبص في الأرض: "هو.. هو موجود هنا."
الهمهمات زادت في الصالة، والمديرة نفد صبرها ومدت إيدها بحدة: "هات أشوف الورقة دي."
الولد حط الشيك على المكتب بحرص شديد، كأنه خاېف عليه يتفرفت. المديرة يا دوب لمحت المبلغ المكتوب، وملامحها اتحولت لڠضب مكتوم: "أنت عارف الرقم اللي مكتوب هنا كام؟ أنت متخيل إننا ممكن ننخدع بالحركات دي؟ إحنا بيعدي علينا ڼصابين محترفين كل يوم."
الولد بدأ يترعش بجد والخۏف ظهر في عينيه: متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات "والله يا طنط ما كذبت.. بابا هو اللي.."
"كفاية كلام!" قاطعتُه بقسۏة، وفي حركة سريعة ومفاجئة، مسكت الشيك وقطعته نصين قدام عينيه وهي بتقول: "البنك ده مبيقبلش تزوير، اتفضل اخرج بره بدل ما أطلبلك الأمن."
صوت قطع الورق كان ليه رنة مرعبة في وسط الهدوء اللي حل على المكان.
الولد وقف متسمر، عينه على قطع الورق اللي وقعت على الأرض.. وبصوت مخڼوق بالدموع همس: "أنا ميكذبتش.. والله العظيم ما كذبت."
محدش نطق.. الناس بدأت تبص في الموبايلات أو في السقف، الهروب من المواجهة أسهل بكتير من نصرة طفل ضعيف.
المديرة عدلت الجاكت بتاعها وقالت بغرور: "المرة الجاية، بلاش تضيع وقتنا ووقت العملاء."
إيدين الولد كانت لسه مفرودة، فاضية، وبتترعش: "طيب.. أنا هعمل إيه دلوقتي؟"
محدش رد.. وفجأة، جه صوت هادي ورزين من وراه:
"خلصتي اللي بتعمليه؟"
المديرة من غير ما ترفع عينها ردت بحدة: "يا فندم الموضوع ده ميخصكش، ثواني وهكون مع حضرتك."
خطوات ثابتة وهادية قربت من المكتب.. "لا.. الموضوع يخصني جداً."
الولد حس بإيد اتحطت على كتفه، إيد ثابتة، مطمئنة..متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات المديرة نفخت بضيق ورفعت عينها: "وحضرتك تطلع مين بقى إن شاء الله؟"
الرجل عدل "الكبك" بتاع قميصه، وبص في الصالة كلها بصه واحدة خلت الكل يسكت، وقال بهدوء: "قبل ما أجاوبك.. ممكن أعرف بأي حق قطعتي شيك مش ملكك؟"
السكوت رجع يسيطر على المكان.. المديرة ردت بلجلجة: "دي سياسة البنك.. وأنا مش مضطرة أشرح الإجراءات لـ.."
"لصاحب الحساب؟" قاطعها الرجل بابتسامة باردة.
الموظفة اللي قاعدة على الجهاز اللي جمبها جسمها اتنفض فجأة.. المديرة قالت باستغراب: "نعم؟ أفندم؟"
الرجل بص في عينها مباشرة: "الشيك اللي قطعتيه، متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات صادر من حساب من حساباتي الشخصية."
صوت همس الموظفين بدأ يعلى.. والمديرة ضحكت بتوتر: "مستحيل.. رقم الحساب اللي في الشيك ده.."