لماذا نهي النبي عن التبتل


إلى الذهن أن بعض الصحابة اختاروا عدم الزواج مثل الصحابية رابعة العدوية أو بعض العباد ولكن هؤلاء لم يروجوا لهذا الخيار ولم يقدموه على أنه السبيل الأوحد للطهر أو القرب من الله بل كانت ظروفهم الخاصة أو حالتهم النفسية والروحية هي ما جعلتهم يسلكون هذا المسار دون أن يجعلوه قاعدة أو سنة.
النهج الذي قدمه النبي ﷺ في هذا السياق كان نهجا واقعيا
إنسانيا وشرعيا في آن واحد. فلم يدع إلى الانغلاق ولا إلى التفريط بل علم أن من أحب الله حقا لا يحرم ما أحله ولا يتقرب إليه بمخالفة الفطرة. ولعل أبرز مظاهر هذا التوازن أن النبي ﷺ لم يكتف بنهي التبتل بل أكد أن الزواج من سنته وأن تركه ليس فقط خيارا مرفوضا بل هو خروج عن منهجه.
في ضوء الحياة المعاصرة نجد أن كثيرا من الشباب يتأخرون في الزواج لأسباب اقتصادية أو اجتماعية وأحيانا لأسباب نفسية. لكن الأمر يزداد سوءا عندما يتحول هذا التأخير إلى قرار دائم أو حين تبنى عليه أفكار مغلوطة مثل أن الزواج يمنع النجاح أو يشتت التفكير. مثل هذه الأفكار لا تختلف كثيرا في جوهرها عن مفهوم التبتل الذي نهى عنه النبي ﷺ
حتى وإن اختلفت المسميات.
في واقعنا الحالي أيضا تسللت بعض المفاهيم الدينية المغلوطة إلى بعض الفئات حتى باتت ترى أن الطهارة لا تكتسب إلا
من خلال البعد عن الزواج. وللأسف فإن هذه الرؤية تشجع على الكبت العاطفي وتهمل ما أمر الله به من بناء الأسر والعفاف والمشاركة العاطفية الحلال.
توازن الإسلام في هذا الجانب لم يضاهيه أي نظام آخر. ففي بعض الديانات الأخرى ينظر إلى الرهبنة وترك الزواج على أنها درجة أعلى من الإيمان بينما الإسلام رأى أن الطريق إلى الله لا يعني حرمان النفس بل تنظيم رغباتها. ولهذا نجد أن النبي ﷺ لم ينصح الشباب بالتبتل بل قال يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج وجعل من الزواج وسيلة للتحصين
لا للتعطيل.
التبتل بوصفه انقطاعا عن العلاقات الزوجية ليس فقط مخالفا للشرع بل هو مدمر على المستوى النفسي. إذ أثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين يعيشون عزلة عاطفية طويلة يكونون أكثر عرضة للتوتر الاكتئاب وفقدان التوازن الاجتماعي. والإنسان بطبيعته كائن عاطفي يحتاج إلى من يشاركه حياته لا ليشغله عنها بل ليكون معينا له على الطاعة والاستقرار.
في نهاية المطاف فإن النهي النبوي عن التبتل هو دعوة إلى الاعتدال وهو تصحيح لفكرة خاطئة قد تسيطر على من ظنوا أن القرب من الله يبنى على الانعزال. فالحقيقة أن الله خلق الإنسان ليمارس الحياة بكامل جوانبها بروح طاهرة وبنية سليمة ضمن إطار من الحلال الذي لا يشوبه حرمة ولا يخالطه إثم
من أراد أن يسير على خطى النبي ﷺ فلينظر كيف كان يحب
وكيف كان يتزوج وكيف كان
يتعبد. كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس عبادة ومع ذلك لم يتخل عن زواجه ولا عن
مشاعره ولا عن انسجامه مع من حوله لأن الإسلام لا ينادي برهبنة ولا يشجع على الانقطاع
بل يؤسس لمجتمع متكامل متوازن ينبض بالعاطفة والإيمان معا.